المؤلف: أبو رائف
الاستعمار(القسم التاسع عشر)
الهجوم  على بیت عبد العزیز في منطقة (شش آبه  خاشرود)
واصلت القوات البريطانية المجرمة اعتداءاتها في سياق هجماتها وجرائمها الحربية، اعتداءاتها هذه المرة على منزلٍ في قرية «شش‌آبه» لمديرية «خاشرود» بمحافظة نيمروز، فاستشهد زوجان بريئان وأُصيب طفلاهُما بجروحٍ بالغة. وفي مساء السادس من أغسطس، عام 2012م، تناولت أسرة عبد العزيز آخر وجبة عشاء جماعية لها. وكانت تلك الليلة ،الليلة الثامنة عشرة من شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي يصوم فيه المسلمون ويُكثرون فيه من العبادة أكثر من سائر الشهور. وقد سار كل شيء في ذلك اليوم بصورة طبيعية؛ إذ انشغل كل فرد من أفراد الأسرة بالأعمال والمهام الموكلة إليه. فحسين، ابن عبد العزيز، فتح متجره الصغير والبسيط كعادته، بينما كانت زوجته رقية منشغلة بأعمال المنزل مع طفليها، كما قام أحد الجيران بذبح ماعزٍ لإعداد طعام الإفطار فی ذلك الیوم، کانت  أسرة عبدالعریز مضیفة لضيفين غريبين، وضيافة الضيوف الغرباء أمرٌ عاديٌّ  في أفغانستان وهي عادةٌ متوارثة؛ فبعد غروب الشمس قُدِّم الطعام لضيفين، فتناولا عشاءهما على انفراد، ثم غادرا عند الساعة العاشرة مساءً دون أن يقع أي أمرٍ استثنائي.
وفي تلك الليلة كان الطقس حارًّا، لذلك تناولت الأسرة عشاءها في الخارج وبعد الفراغ من الطعام، نهض عبد العزيز، وقد أرهقته أعمال النهار، وقال إنه سيخلد إلى النوم. كما بدأت أسرة حسين بالاستعداد للراحة. وكان لحسين طفلان: عمران، وكان يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وأخوه بلال، وكان عمره سنةً ونصفاً وهذان الطفلان، اللذان أصبحا اليوم شابَّين، لا يتذكران شيئًا مما جرى في تلك الليلة، سوى أن والدهما نقل فراشهما إلى ساحة الدار؛ لأن حرارة الغرفة كانت خانقة وهناك ناما للمرة الأخيرة مع والديهما تحت ضوء النجوم. وفي ذلك الوقت، أي عام 2012م، كان قد مضى أكثر من عقدٍ على احتلال أفغانستان وبدء الحرب الأمريكي وحلفائه للبلاد. وكانت القوات الخاصة التابعة للدول الرئيسة في التحالف الدولي المعروف بحلف الناتو تنفذ بصورة متكررة عمليات اعتقال، عُرفت كذلك باسم عمليات القتل أو الاعتقال. وكانت هذه القوات عادةً ما تتحرك بعد حلول الظلام بواسطة الطائرات، ثم تداهم بيوت المدنيين ومنازلهم بحججٍ وذرائع واهية. أما العمليات الليلية التي كانت تنفذها القوات البريطانية، فغالبًا ما كانت تتولاها قوات (الخدمة الجوية الخاصة)، وهي من أكثر الوحدات الخاصة تقديرًا واحترامًا داخل الجيش البريطاني والقوات البحرية الملكية.غير أن الشعب البريطاني لم يكن على علمٍ بما كانت ترتكبه هذه القوات من قتل الأبرياء وممارسة الظلم والاعتداء في حقهم، مع أن تقارير عديدة بشأن تلك الانتهاكات كانت قد رُفعت مرارًا إلى المراكز والقيادات العسكرية البريطانية. وقعت إحدى هذه الغارات وعمليات «القتل أو الاعتقال» في منزل أسرة عبد العزيز في قضاء (خاش رود ) بمحافظة نيمروز. ففي نحو الساعة الثالثة فجراً، وصلت الطائرات العسكرية البريطانية عبر سماء نيمروز المظلمة، وهبطت خارج القرية. ثم نزلت قواتٌ خاصة إلى الأرض وتوجّهت نحو المكان الذي كانت الأسرة نائمة فيه. ويقول عبد العزيز إنه استيقظ على صوت أول طلقة نارية، وخلال دقائق معدودة كان الجنود الأجانب داخل غرفته، حيث طرحوه أرضاً، وقيدوا يديه، وعصبوا عينيه. وأضاف عبد العزيز: توسلت إليهم أن يسمحوا لي بالذهاب إلى المكان الذي كان ينام فيه ابني وزوجته وأطفالهما. كنت أسمع صراخ ابنتَيَّ وهما تستغيثان طلباً للمساعدة، لكن أحداً لم يُغِثهما، ولم أكن قادراً على فعل شيء لأبنائي. وقد عمّت الفوضى أرجاء هذا المنزل الريفي. ووفقاً لعبد العزيز، فقد أبقى الجنود الأجانب عينيه معصوبتين، واعتدوا عليه بالضرب، ثم أخضعوه للاستجواب. وقال إنهم كانوا يسألونه عن الضيوف الذين زاروا منزله في وقت سابق من ذلك اليوم. وظل محتجزاً داخل المنزل طوال تلك المدة وهو معصوب العينين. وفي الوقت نفسه، كانت القوات الخاصة قد داهمت أيضاً منزل جار عبد العزيز، وكان رجلٌ يُدعى لعل محمد، وهو أرمل، يعيش هناك مع أبنائه الستة وبناته الثلاث. وقد أخبر أحد أبناء لعل محمد، ويدعى محمد، فريقَ التحقيق التابع لهيئة الإذاعة البريطانية أن المهاجمين أخرجوه مع إخوته من المنزل واعتقلوهم. بمجرد أن خرجت القوات الأجنبية المحتلة من القرية، وبعد ساعات فقط، تمكّن عبد العزيز من إزالة العصابة عن عينيه والتوجه في ضوء الصباح إلى المكان الذي كان حسين ورقية وطفلاهما نائمين فيه ،يقول عبد العزيز: عندما ذهبت إلى هناك رأيت أن الدماء كانت في كل مكان، وكانت الأغطية والفُرُش ملوثة بالدماء. وبحسب أفراد الأسرتين اللتين شاهدتا جثتي حسين وزوجته رقية، فقد أُصيب كلاهما بطلقات نارية في الرأس. وكان فراشا عمران وبلال ملطخة بالدماء، لكنهما لم يكونا هناك. كما أن محمداً، الذي كان الجنود المعتدون قد سحبوه سابقاً من منزله، عاد مسرعاً إلى منزله بعد رحيل المعتدين. وكان آخر ما رآه في هذا المنزل أن القوات الأجنبية قد أسرت شقيقيه وقال إنه وجد شقيقه محمد ولي البالغ من العمر 26 عاماً، ومحمد جمعة البالغ من العمر 28 عاماً، داخل المنزل وقد قُتلا نتيجة الإصابة بطلقات نارية في الرأس. وقال سائر أفراد الأسرة إن الرصاص أُطلق على رأسيهما من مسافة قريبة، ويبدو أن الصورة التي شاهدها فريق التحقيق لجثة محمد ولي أظهرت جرحاً في رأسه. ويبدو أن الرواية التي يقدمها محمد تعكس نمط عمليات القتل التي كانت قد أثارت سابقاً الشكوك لدى كبار ضباط القوات الخاصة وقال لفريق التحقيق: أقسم بالله إن إخوتي كانوا مزارعين، كانوا يعملون من الصباح إلى المساء، ولم تكن لهم أي علاقة بأحد، لقد قُتلوا بلا سبب. وبحسب أسرة عبد العزيز، التي استشهد ابنها وكنتها وأصيب حفيداه في هذا الهجوم القاتل، فإن هذين الوالدين الشابين استُشهدا في فراشهما، وليس معلوماً ما إذا كانا قد استيقظا من النوم قبل استشهادهما أم لا. وكانت الأسرة قد اعتبرت عمران وبلالاً في البداية في عداد الموتى أيضاً، غير أن القوات المعتدية كانت قد نقلت هذين الطفلين إلى الخارج. وكان بلال، البالغ من العمر سنة واحدة، يصارع من أجل البقاء بعد إصابته بطلق ناري في الوجه والكتف، وكان عمران، البالغ من العمر ثلاث سنوات، يصارع من أجل البقاء بعد إصابته بجرح ناري في البطن. واللافت أن هذا الهجوم العسكري القاتل لم يُبلّغ به قط إلى الشرطة العسكرية البريطانية، ولم يخضع أي شخص خارج القوات الخاصة البريطانية للتحقيق، وقد قال الضابط المسؤول عن هذا الهجوم إنه لا يوجد أي دليل لإثبات جريمة حرب، وإن ظروف العملية تبرر استخدام القوة المميتة ، وقال: لقد تم الالتزام بقواعد الاشتباك على النحو الصحيح، رغم الأحداث المأساوية العرضية التي لا يمكن للأسف تجنبها أثناء الحرب. وتأتي تبريرات الضابط المعتدي هذه في حين لم يكن في منزل عبد العزيز، ولا في منزل ابنه وزوجته، ولا في منزل أسرة محمد، أي سلاح، كما لم تقدم وزارة الدفاع البريطانية أي تقرير في هذا الشأن. وقال ضابط سابق آخر في القوات الخاصة كان موجوداً في منطقة (ش آبه )وقت هذا الهجوم: بدلاً من التعمق في ما حدث وإصلاح السلوك الإجرامي، أصبحت تقارير وسيلة لتنظيف الحادثة من أي مخالفة. وفي صباح ذلك اليوم نفسه، نقلت الطائرات بلال وعمران الجريحين إلى القاعدة العسكرية، كما كانوا قد أخذوا رحمة الله، شقيق حسين الأصغر، وكان يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة يقول: عندما أزالوا العصابة عن عينيّ رأيت ابني أخي الصغيرين. كان عمران، البالغ من العمر ثلاث سنوات، واعياً وكان يبكي. طلب مني الماء، لكن لم يكن لدي ماء. وقضى عمران فترةً من العلاج بعيداً عن أسرته، ثم نُقل في نهاية المطاف وسُلِّم إلى عبد العزيز وجدته (ماه بي بي)،والآن لا يتذكران شيئاً من تلك الليلة، لكنهما عندما عادا إلى المنزل في الأيام الأولى كانا يبدآن بالصراخ أثناء النوم ليلاً. وكان عمران يتجول خارج المنزل طوال الليل. ويبلغ عمران الآن ثلاثة عشر عاماً، ولديه أثر جراحة طويل في مقدمة جسده، وندبة في الجانب الأيسر من بطنه، ومزيد من الأنسجة المتندبة في أسفل ظهره ، ولا تزال بعض الشظايا مستقرة داخل جسده. أما بلال فيبلغ من العمر أحد عشر عاماً. وتظهر على وجهه إصابة ناجمة عن رصاصة مرّت على بُعد مليمترات من عينه اليسرى، كما توجد إصابة في كتفه نتيجة رصاصة أخرى أصابته.
ولا يتحدث الاثنان كثيراً عن والديهما وليس لديهما أي ذكرى عن حسين ورقية اللذين استشهدا في هذا الهجوم. وقال عمران: ليت والدينا كانا اليوم معنا حتى نستطيع الذهاب إلى المدينة والاستمتاع بها مثل سائر الأطفال.وهذه الأسرة فقيرة، ولديها وصول محدود إلى الخدمات الطبية والصحية، وهي في حاجة ماسة إلى المساعدة والعون.وكانت رقية، زوجة حسين، حافظةً للقرآن الكريم، وكان حسين يؤمّن نفقة الأسرة، لكن بعد استشهادهما اضطر عبد العزيز، في أوائل شيخوخته، إلى العمل وكسب الرزق.
یتبع…
القسم السابق|القسم التالي
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version