الکاتب: مفتي عبیداالله
مقتداء {الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله} (القسم الأول)
(مجموعة مقالات)
الناشر: مرکز كلمات للبحوث والدراسات العلمیة
ندوةٌ حول مناقب سراج الأمة الإمام الأعظم أبي حنيفة (رحمه الله)
كلمةُ شيخِ القرآن والحديث، حضرةِ المولانا معلم جان الحنفي (حفظه الله)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لأهلِه، والصلاةُ على أهلِها؛ أمّا بعد، فقد قال الله تعالى وتبارك في كتابه المجيد والفرقان الحميد: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، صدق الله العظيم.
إخوتي في الدين والعقيدة الإسلامية!
أولًا: أُقدِّم إليكم التحيةَ النبوية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وثانيًا: أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى مركز «كلمات» المستقل للبحوث والدراسات العلمية على تنظيم هذا المجلس المبارك، ويسعدني أن أشارك في مثل هذا اللقاء، الذي أعتبره شرفًا وفخرًا لي.
وأعتبر الحاضرين والمستمعين الإخوة من أكثر الناس حظًا وبركةً اليوم، إذ يجلسون في هذا المجلس ليستمعوا إلى مناقب هذه الشخصية العظيمة، الإمام الكبير لأمة الإسلام، ويتعرفوا عليه، ويستمعوا إلى الإيضاحات عنه على ألسنة العلماء، أيها السادة المشاركون، يجب علينا أن نحمد الله كثيرًا، لأنه خلقنا نحن وأنتم مسلمين، وجعلنا أمةً لرسول الله صلی الله علیه وسلم، وأدخل في صفوف الأئمة أتباعًا ومقلدين للإمام الأعظم أبي حنيفة (رحمه الله).
أين وُلِد الإمام أبو حنيفة (رحمه الله)؟
أين تربَّى؟
ومن الذي أشرف على تربيته؟
ما القمام الذي یناله الإمام أبو حنيفة (رحمه الله) عند العلماء؟
وما الرتبة والمقام الذي بلغها؟
وُلد الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- في مدينة الكوفة، التي تُعَدُّ من أبرز مراكز الدين الإسلامي والعلم والفقه، لأن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قد قام ببناء هذه المدينة.
كان هذا المكان مسكونًا بمعظم المسلمين الجدد، وقد أولى عمر -رضي الله عنه- عناية فائقة لتعليم هذه المدينة وتربيتها أكثر من غيرها من المدن، فاختار لها عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- المعروف بـ «حبر الأمة» معلمًا،وقال لأهل الكوفة: «آثرتكم بعبد الله على نفسي، فهو حبر الأمة الذي يحتاج إليه كل مكان وإدارة، ولكنني فضّلتكم على نفسي وأرسلت عبد الله بن مسعود إليكم كمعلم ومربي»
حضرة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هو الشخص الذي قال عنه عمر رضي الله عنه: «كَنَفٌ مَلْءٌ عِلْمًا» أي «كان بئرًا مملوءًا علمًا». وقال عنه حذيفة رضي الله عنه: «ما كان رجل أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم هُدیًا ودِلالًا وسِمْتًا من عبد الله بن مسعود» أي «في جميع الناس كان أكثر من يشبه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في سيرته وصورته عبد الله بن مسعود رضي الله عنه».
وكان فقيه الأمة، معاذ بن جبل رضي الله عنه، يوصي تلميذه ميمون قائلاً له: أسرع لتحصل على العلم من عبد الله بن مسعود. وقد بذل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جهدًا عظيمًا في نشر العلم في الكوفة، ونتيجة لجهوده واجتهاده ظهرت هناك طبقة وجماعة من العلماء مشغولة ليلاً ونهارًا بنشر علم الحديث وشرحه وتدريسه. وقد ذكر العلماء عددهم 74، وذكر العلامة زاهد الكوثري رحمه الله أن عدد العلماء الذين تربوا تحت إشراف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الكوفة بلغ 4000.
لذلك، عندما جاء حضرة عليّ كرم الله وجهه إلى مدينة الكوفة ورأى مكانة وعظمة العلم في المدينة، دعا من فمه إلى حضرة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قائلًا «رحم الله ابن أم عبد، قد ملأ هذه القرية علمًا»، عندما رأى تلاميذُ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المتمكنين، قال عنهم الإمام علي رضي الله عنه: «أصحاب ابن مسعود سُرُج هذه الأمة».
ولم یسکن في مدينة الكوفة الصحابي الجليل عبد الله رضي الله عنه بمفرده، بل كان هناك العديد من فقهاء الصحابة الكرام الذین کانوا يقيمون في الكوفة، ومن بين هؤلاء نذكر ونتحدث عن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، والصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، والصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه، والصحابي الجليل عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، والصحابي الجليل عبد الله بن حارث بن جزء رضي الله عنه.
وبجانب هؤلاء، كان هناك صحابة آخرون رضي الله عنهم الذین کانوا يقيمون في الكوفة، وقد ذكر الإمام العجلي أن عددهم يبلغ نحو 1500.
هؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا من سكان المدينة، والذين قدموا إلى الكوفة واستقرّوا فيها، أما الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين كانوا يزورون المدينة يومًا أو يومين، أو سنة ونصف، ثم ينتقلون إلى جهة أخرى، فكان عددهم أكبر من المذكورين أعلاه.
ثم عندما جعل الصحابي الجليل علي كرم الله وجهه الكوفة دار الخلافة وانتقل إليها، الذي كان باب العلم، أصبحت الكوفة مركزًا للعلم والدين. لأن مسروق بن الأجدع رحمه الله يقول: إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وحضرة علي رضي الله عنه كانا جامعَيْ علم جميع الصحابة الكرام، وكانا هما خلاصة علم جمیع الصحابة، يقول مسروق بن الأجدع عنهم: «درتُ في الصحابة فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة، ثم نظرت فوجدت علمهم ينتهي إلى اثنين: علي وعبد الله»
كان علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يقيمان في مدينة الكوفة، وكانا يقومان بنشر الأحاديث وبثّ العلم وتعليمه، ولهذا السبب، كما ذكرتُ سابقًا بإيجاز، فإننا نسمّي الكوفة مخزن العلم (وخزانة العلوم) ومركز علم الحديث، وهذا الكلام ليس بلا دليل.
وقد كان لعلم الحديث في الكوفة شأن عظيم، حتى إن تاج الدين السبكي رحمه الله نقل في كتابه طبقات الشافعية الكبرى عن أبي بكر بن داود قوله: “قدمتُ إلى الكوفة لطلب العلم، فإن السفر في طلب العلم من عادة العلماء، وكان معي درهم واحد، فاشتريتُ بذلك الدرهم ثلاثين مُدًّا من اللوبيا، فكنتُ آكل كل يوم مُدًّا، وکنت أكتب عن الإمام أشبه ألف حديث، حتى إذا مضى شهر نفدت اللوبيا، وكنتُ قد كتبتُ عن الإمام أشبه ثلاثين ألف حديث.”
فكانت الكوفة مدينةً من مدن العلم، يكتب فيها الطالب عن شيخٍ واحد في شهرٍ ثلاثين ألف حديث، فكيف وقد كان فيها آلاف الشيوخ؟ فكم من الأحاديث كانت تُكتب يوميًا، وكم كان يُجرى عليها من التحقيق؟
لقد كان في الكوفة نشاطٌ عظيم في علم الحديث، وشوقٌ شديد إليه، حتى كانت دروس الحديث قائمة في كل بيتٍ ومكان.
كما نقل أبو محمد الرامهرمزي رحمه الله في كتابه المحدث الفاضل عن أنس بن سيرين رحمه الله أنه قال: “أتيتُ الكوفة، فوجدتُ فيها أربعةَ آلافٍ يطلبون الحديث، وأربعمائةٍ قد تفقّهوا.”
إنَّ إمامَنا وإمامَكم، تاجَ رؤوسِنا وسراجَ الأمة، أبو حنيفة النعمان رحمه الله، قد وُلِد في هذه المدينة، وفي هذا الجوِّ العلميِّ فتح عينيه على الدنيا. ثم تولّى علماءُ هذه المدينة تربيته، فأخذ عنهم علمَ الحديث، وتلقّى عنهم الفقه.
ولهذا السبب، فإنَّ المرتبةَ التي بلغها الإمام أبو حنيفة رحمه الله في الفقه، وما حصّله من مكانةٍ في علم الحديث، قلَّ أن يبلغها أحدٌ أو یقاربه فيها.
وذلك لأنَّ الشيوخ الذين تيسّر للإمام أبي حنيفة رحمه الله أن یأخذ العلم عنهم، لم يتيسّر مثلُهم لغيره؛ إذ إنَّ شيوخه كانوا من الصحابة، أو من التابعين، أو من تبعِ التابعين، ولم يكن له شيوخٌ دون هذه الطبقات.
وأمّا اتصاله بالصحابة رضي الله عنهم، فإنَّ كونَه من التابعين حقيقةٌ مُسَلَّمة لا يمكن إنكارها، وقد ذكر ابن حجر العسقلاني رحمه الله أنَّ الإمام أبا حنيفة رحمه الله وُلِد سنة 80 هـ، كما ذكر محمد بن سعد رحمه الله في كتابه الطبقات الكبرى أنَّ الإمام أبا حنيفة رحمه الله قد لقي أنس بن مالك رضي الله عنه، وزاره ورآه.
ذكر الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله في كتابه تبييض الصحيفة بمناقب أبي حنيفة رواياتٍ كثيرة، يُستفاد منها أن الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله قد سمع الروايات عن عددٍ من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وعبد الله بن أنيس، وواثلة بن الأسقع، وعائشة بنت عُجْرَد رضي الله عنهم.
يتبع…
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version