وأخيراً أعلن شعب الهند عن سخطه العام تجاه الاستعمار، وفي سنة١٢٧٤ هـ / ١٨٥٧م. اندلعت ثورة دامية، فقام الأمراء والعلماء والمسلمون وبعض الهندوس الذين تضرروا من سيطرة الاستعمار قتلوا عدداً من القادة الإنجليز، وتوجّهوا من أطراف البلاد نحو دهلي.
وكان المسلمون الذين أجّجوا نار هذا السخط، جعلوا أنفسهم في طليعة الحركة، إذ أنهم رأوا في هذه الانتفاضة أساسًا لإعادة قوتهم السياسية، فمن أوائل الوحدات التي دُعيت إلى التمرّد كانت فرقة الفرسان المحليين من الفيلق الثالث، وهم من المسلمين؛ فقد اندفعوا من ميرت إلى دهلي ليقوموا بتعيين بهادر شاه قائدًا للثوار.
ففي غروب الحادي عشر من مايو ١٨٥٧م ، بعد يوم من ثورة ميرت، أُعلن بإطلاق ٢١ طلقة مدفعية. فبهادر شاه، الذي كان معظم أهل الهند من الهندوس والمسلمين يعترفون به كحاكم للهند، قبل ردائه الأجدادي وهو رداء أكبر شاه، شاه جهان وأورنكزيب، وعاد إلى مكانته ومقامه، وبذلك بدا كأن عصر عظمة المغول قد عاد مرة أخرى، وصدر إعلان باسم إمبراطور المغول يدعو فيه كل من يرغب في إنقاذ دينه إلى الانضمام إلى الجيش لمؤازرة دينه وعدم ترك أي كافر إنجليزي على قيد الحياة. وقد تولى علماء المسلمين في هذه الثورة قيادة الثوار في العديد من المناطق المختلفة، وكان المولوي أحمد الله رحمه الله زعيم المقاتلين الشعبيين الذين هزموا قوات سر كولين كامبل التي كانت تحارب لفتح أوده في صيف عام ١٨٥٨ م.[1].
ومن علماء المسلمين الآخرين الذين تولوا قيادة جزء من قوات الثورة كان مولانا رحمت الله الكيرانوي رحمه الله، والذي كان رجلاً فاضلاً وموقراً وله مؤلفات في نقد المسيحية، وكان يقاتل في ضواحي كرانة ضد الجيش الإنجليزي الأبيض، وكان المجاهدون تحت قيادته يجتمعون بعد صلاة العصر للتدريب في فناء المسجد الجامع في كرانة، وكان يقرع الطبل ويجتمع الناس معلنين: الملك لله والحكم لمولانا رحمت الله. حتى أنه جاء من كرانة إلى دهلي للاطلاع على أخبار الجهاد، وأقام بجانب القلعة الحمراء وفي مسجد مولانا محمد حيات. في تهانه بون جنوب شرق دهلي، وشارك علماء ومشايخ مشهورون مثل حاج امداد الله التهانوي رحمه الله، ومولانا رشيد أحمد الكنكوهی رحمه الله، ومولانا لياقت علي رحمه الله، وحافظ محمد ضامن شهيد رحمه الله، والمولوي عبد الحكيم رحمه الله، مع قائد عسكري مسلم يدعى الجنرال بخت خان، في هذه الثورة، وكان علماء آخرون أيضاً مشاركين فيها.[2].
وتم تشكيل مجلس استشاري، في تهانة بون وتم تعيين حاج إمداد الله أمير المؤمنين، وحافظ ضامن أمير الجهاد، ومولانا محمد قاسم كقائد للقوات، ومولانا محمد منير النانوتوي ومولانا رشيد أحمد الكنكوهی كمستشارين لهم.[3].
إن ثورة عام ١٨٥٧م. كانت من أشهر الثورات الشعبية في القرن التاسع عشر، وكانت الكفة راجحة للهنديين في البداية، وكان الإنجليز المقيمون في الهند يواجهون وضعًا صعبًا، لكن مع نهاية فصل الصيف وإمكانية إرسال قوات إنجليزية جديدة، وانتهاء الحرب بين إيران وإنجلترا، حصلت الحكومة الإنجليزية على الفرصة لإرسال جنود جدد إلى الهند، حيث تغير الوضع مع وصول القوات المساعدة، ولم يستطع العسكريون الهنود الصمود، فسقطت دهلي في يد الإنجليز، وبسقوط دهلي، انهارت الثورة.
وبعد سقوط دهلي في سبتمبر ١٨٥٧م، وقع المسلمون في انتقام مروع ومدمّر من قبل المستعمرين، حيث تمّ ارتكاب مذابح بحقهم. المذبحة التي وصفها الشاعر المعروف بالأردية غالب بـ «محيط من الدم»، قائلاً: «هنا أمامي محيط واسع من الدماء، والله وحده يعلم ما الذي سنراه بعد ذلك» لم يسلم من قتل الإنجليز لا خواص المسلمين ولا عوامهم، ففي تلك الأيام الرهيبة، أُعدم ثلاثة وعشرون ألف مسلم واستمرت المذابح لمدة سبعة أيام.[4].
وحاكموا بهادرشاه ونفوه إلى رانجون، وقام الرقيب هودسون الإنجليزي على الفور بقتل ثلاثة من أمراء المغول، وبعد ذلك حوكم وأعدم أربعة وعشرون من الأمراء أيضاً. كتب ظهير الدهلوي (١٨٣٥- ١٩١١) في كتابه بعنوان «قصة الخيانة» قائلاً: كان الجنود الإنجليز يطلقون النار على كل من يعترض طريقهم. وتم القبض على محمد أمين بانجهاك، الكاتب المرموق، مع المولوي إمام بخش بسمهائي وولديهما، حيث أخذوهم إلى بوابة راج غات وأطلقوا عليهم النار وقتلوهم، ثم ألقوا جثثهم في نهر جمنا. كما لاقى العلماء المجاهدين نفس مصير المناضلين الآخرين، ففي ٢٠ يونيو ١٨٥٨م أوقف ويليام تايلور الإنجليزي علماء الإصلاح البارزين شاه محمد حسين، وأحمد الله وواعظ الحق بدعوى التآمر للتمرد في بتنه، كما حوكمت مجموعة من العلماء والمسلمين البارزين في بتنه ولاهور عام ١٢٨١/١٨٦٤هـ..[5].
وكان من بين المحكومين، مولانا يحيى علي، ومحمد جعفر التهانسي، ومحمد شفيع اللاهوري قد حُكم عليهم بالإعدام، وأبدوا فرحًا غير متوقع بحكم الإعدام. قال لهم قاضي المحكمة: «سأفرح إذا رأيتكم مشنوقين على المشانق» كان الإنجليز يأتون إلى السجن مع نسائهم ليروا العلماء المحكومين بالإعدام ويفرحوا بذلك، لكنهم كانوا يرون أن المحكومين فرحين ويعتبرون الإعدام شهادة في سبيل الله، وقد أغضب هذا الإنجليز كثيرًا، فقال أحد القضاة الإنجليز: «لا يريدون أن يفرحوا ويبلغوا أمانيهم، ويروا الشهادة التي يعتبرونها شرفًا عظيمًا»، ولذلك غيروا الحكم ونفوهم إلى جزر الأندامان. ومن ثم نُفي مولوي يحيى عظيم آبادي، وأخوه مولوي أحمد الله عظيم آبادي، ومولوي عبد الرحيم صادق بوري، ومحمد جعفر تهانسيري في عام ١٨٦٥ إلى جزيرة الأندامان. بالإضافة إليهم، نُفي بعض العلماء الآخرين مثل العلامة فضل الحق الخير آبادي، والمفتي أحمد الكاكوري، والمفتي مظفر كريم الدريابادي إلى الأندامان أيضاً.
وكان الإنجليز يسعون إلى اعتقال العلماء المجاهدين الآخرين، ولهذا السبب وضعوا جوائز لمن يقبض على الحاج إمداد الله التهانوي، ومولانا محمد قاسم النانوتوي، ومولانا رشيد أحمد الكنكوهی، ونتيجة لذلك، ودّع الحاج إمداد الله وطنه واتجه نحو الحرمين الشريفين. تم نقل زمام الأمور في الهند من شركة الهند الشرقية إلى حكومة إنجلترا في الثاني من أغسطس ١٨٥٨م، وأعلنت ملكة إنجلترا أن الهند أصبحت جزءًا من الإمبراطورية البريطانية، وبعد ثلاثة أشهر، في الأول من أكتوبر ١٨٥٨، قرأ اللورد كينغ في الله آباد أمر العفو العام الصادر عن الملكة، فظن الناس البداية أن هذا عفو عام، لكنه لم يكن كذلك، إذ تضمن استثناءات محددة، كما يلي:
١. الذين شاركوا شخصيًا في قتل الرعايا الإنجليز أو تعمدوا إيواء القتلة.
٢. الذين كانوا من زعماء الثوار.
٣. الذين حرضوا الناس على التمرد والشغب، لم يشملهم هذا العفو.
لذلك، لم يشمل هذا العفو مولانا محمد قاسم النانوتوي، والحاج إمداد الله، والعلامة رشيد أحمد الكنكوهی، لأنهم كانوا من قادة حركة الجهاد وقُتل على أيديهم العديد من القوات الإنجليزية، بقي مولانا رشيد أحمد الكنكوهي قيد التحقيق في سجن مظفرنجر لمدة ستة أشهر، وبعد انتهاء التحقيق قُرئ حكم المحكمة وبرئ وأُطلق سراحه. أما مولانا النانوتوي فظل مطلوبًا حتى عام ١٨٦٠م، ولم يتمكنوا من اعتقاله أبدًا.
وهكذا، كان مولانا محمد قاسم النانوتوي من العلماء الذين نجوا من المصير المؤلم لثورة ١٨٥٧، وقرر تغيير أسلوب المقاومة ضد الاستعمار، مما أدى إلى تأسيس مدرسة دار العلوم في قرية ديوبند.