الكاتب: مناظر الإسلام الشیخ مولانا محمد نافع محمدي
المترجم: سید مصلح الدین
البنات الأربعة المحبوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
(الجزء الأول)
الخلاصة:
هناك بعض الأصدقاء والأعزاء اعتادوا أن يُفرطوا أو أن يفرّطوا في الصداقة والعداء، وكلاهما خطأ وباطل. وقد اتخذ البعض في بنات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مثل هذا النهج، فاعترفوا بفاطمة الزهراء رضي الله عنها كبنت للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأنكروا نسب سائر بناته منه، ويعتبروهن خارجات من أسرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، زاعمين أن هؤلاء البنات، بنات بالتبنّي للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وباتوا غفلَة عن هذه الحقيقة التي قال الله عنها: «ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ».[1]
يعني بعد ذلك لا تدعوا أولادكم المتبنّين بأسمائكم، إنما ادعوهم بإسم آبائهم وهو اقسط عند الله، ومن الواضح أن الحكم حكم الله وهو عام نزل لكافة الرجال والنساء، ويجب على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بوصفه منفذًا وشارعًا أن يعمل على هذا الحكم ويطبّقه في حياته الشخصية، فقام هو صلى الله عليه وسلم في أولى خطواته بتغيير اسم زيد بن محمد إلى زيد بن حارثة، ورقية وأم كلثوم إلى رقية بنت محمد وأم كلثوم بنت محمد، ليعرف كل أحد نسبه الحقيقي ولا يقع في الالتباس في نسبه، فإذا لم تكن رقية وأم كلثوم رضي عنهما من بنات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومع ذلك تدعيان ببنتي محمد كان هذا مخالفة لحكم الله وكسره، بينما وجود شيء مثل هذا محال عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
ولا يمكن بطبيعة الحال تجاهل مشكلات العصر الحاضر، إذ من جهة تراجعت البرامج الدينية، وأصبح الحفاظ على الإيمان في مثل هذه الظروف أمرًا صعبًا، ومن جهة أخرى، تعرضت المسائل الواضحة في الإسلام وشعائره للتحريف والبدع. فقد أصبحت العقائد الإسلامية الأساسية عرضة للتغيير والعبث، وتُهاجم بنات الرسول الكريم الله صلى الله عليه وسلم بأقبح الألفاظ وأشنع التهم، دون أي وازع ديني، مما يعدّ إهانة صريحة لبيت النبوة. لذلك كان من الضروري أن ينهض علماء الدين ويجتهدوا في توضيح جوانب من سيرة بنات الرسول الكريم الله صلى الله عليه وسلم، لبيان الحق لطلبته، وتيسير سبل الهداية للسائرين في دربها، حتى تتجلى الحقيقة ويتبين الفرق بين الحق والباطل، والصدق والكذب، للجميع.
المقدمة:
لقد أعطى الله تعالى في كتابه الكريم أهمية خاصة لصحة النسب والتأكيد الدقيق عليه، ففي عصر الجاهلية، كان من العُرف أن يُنسب الأبناء بالتبني إلى من يعيشون في كنفه، لا إلى آبائهم الحقيقيين، فجاءت الشريعة الإسلامية المقدسة تكافح هذا العُرف الخاطئ بشدة، واعتبرته مخالفًا للفطرة البشرية.
وقد أزال الإسلام بكل حزم كافة العادات الباطلة، وجعل لصحة وثبوت النسب مكانة خاصة، واعتبره من أعظم الضروريات وأهم الأمور الفطرية. فالإنسان العاقل والواعي لا يسمح لنفسه أبدًا أن يكتسب عزًا ومكانة من خلال انتسابه إلى غير أبيه الحقيقي.
فقال الله تعالى بكل صراحة: «ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ».[2]
إنّ هذا الحكم الإلهي كان يحمل في طيّاته مجموعةً من الحِكَم، ومن أبرزها الحفاظ على طهارة النسب وسلامة الروابط الأسرية، وهو مجرد مثال صغير من تلك الحِكَم العظيمة، ولم يختص هذا الحكم بالرجال فقط، بل يشمل النساء أيضًا، لأن طهارة النسب وعدم اختلاطه يضفيان على المرأة عزّة ومكانة في أسرتها ومجتمعها.
وكان العرب شديدي الحساسية في الأمور القبلية والعشائرية، وكان لنسب الفرد وانتمائه إلى قبيلة أو منطقة معينة أهمية بالغة عندهم.
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حرام».[3] ويقول في موضع آخر: «مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْر مَوَالِيهِ فَعَلَيْه لَعْنَةُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».[4]
لقد كانت هذا التحوّل النفسي الذي أحدثه الإسلام شاملًا وعظيم الأثر، حتى إنّ ابن رسول الله بالتبنّي، الذي كان يُعرف قبل نزول هذه الآية بزيد بن محمد، أصبح يُدعى زيد بن حارثة، ولم يجز لأحدٍ أن يناديه بغير اسمه الحقيقي. نعم، كانت هذه الخطوة من أعقل الخطوات وأحكمها في سبيل حفظ الروابط القومية والعائلية، والحفاظ على صلة الرحم، لأنه إذا لم يعرف الناس أنساب أقوامهم وعشائرهم، ولم تكن هناك ثقة واحترام متبادل بينهم، فلن يكون لصلة الرحم أي معنى أو أثر.
وبناء على ذلك فالاطلاع على النسب والسلسلة النسبية، يحظى أهمية كبيرة، حيث قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِم مَحَبَّةٌ فِى الْأَهْل مَثرَاةٌ فِى الْمَال مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَر».[5]
تربّى أهل بيت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تحت مملة قوانين الإسلام المُحيية، وقد وصلت هذه التعاليم إلى بنات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهنّ السيدة زينب، ورقية، وأم كلثوم. ففهمن أن قانون حفظ النسب واحترامه قانونٌ عام يشمل جميع المسلمين، بما فيهم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لهم قانون خاصّ يميزهم عن سائر الأمة، كما أنّ التاريخ لم يُقرّ لهم حكمًا مغايرًا، ومن المستحيل أن تكنّ بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم من صُلب غيره، ومع ذلك يُنسبن إليه فقط بسبب عطفه ورحمته بهنّ، فإن لم يعمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالقرآن وأوامره، فمن ذا الذي يعمل به إذاً؟
وسؤالٌ آخر يطرح نفسه: إذا كان بعد نزول قوله تعالى: «ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ» قد انقطعت نسبة زيد إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأصبح يُعرف بزيد بن حارثة، فكيف يُمكن تبرير استمرار نسبة هؤلاء البنات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقائهنّ على الحالة التي كنّ عليها قبل نزول الآية؟ لذلك وبالاستناد إلى الهدايات الواضحة في القرآن والسنة، فإنّه من المستحيل أن تنسب أمهات المؤمنين والصحابة الكرام رضي الله عنهم البنات المُتبنَّيات إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية، أو أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، بصفته المبلّغ والمنفّذ للدين والشريعة، ما أمره به الله تعالى.
ولذلك، يُمكن التأكيد كحقيقة مسلّمة وقطعية أن هؤلاء الثلاثة العظيمات (زينب، ورقية، وأم كلثوم) كنّ بنات نسبيات للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن المستحيل أن يُنادَى أحدٌ يوم القيامة على أنه ابنٌ لشخصٍ آخر قد ثبت نسبه في الدنيا لغيره، ومثل هذا الأمر لم يحدث قط في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي درداء رضي الله عنه عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ».[6]
وبحسب الروايات، فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبّر بفخر خاص عن شرف نسبه العائلي، وهذا الفخر، وإن كان يُعد امتيازًا خاصًا لأصحاب الفضل والعظمة، إلا أنه يُعدّ أيضًا دليل على عظمة وهيبة القبيلة لدى عامة الأقوام والأقرباء، وتنعكس مفاخرها على كل فرد من أفراد العشيرة، وإن بيان الفضل العائلي والأصلي، ما لم يكن الغرض منه تحقير الآخرين أو التباهي البحت، فهو أمر صحيح ومحمود. كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «أنا أنفَسُكَم نَسَباً و صهراً و حَسَباً لَيسَ فِي آبَائِي مِن لَّدُن آدَمَ سِفَاحٌ كُلُّنَا نِكَاحٌ».[7]
فالآن الحكم إليكم، كيف يُعقل في مثل هذا الجو، ومع هذا الإرث النبوي العظيم، أن يبقى نسب بنات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في دائرة الغموض، ولا يُعرف على وجه اليقين: أَهُنّ بناته الحقيقيات أم بناته بالتبني؟ وكيف يُعقل بعد مرور سنوات طويلة على وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أن لا يستطيع أحد أن يجزم بيقين بأنهنّ بناته أو لا؟ مع أن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كونه أُسوة ونموذجًا كاملاً، كان ينبغي أن تُدرس بدقة ويُعتمد عليها، حتى لا يبقى مثل هذا الغموض في سيرته الشريفة.
وبناءً على القرائن المذكورة، نصل إلى نتيجة مفادها أنه لما لم يسمح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يُدعى ابنُه بالتبني، الصحابي الجليل زيد رضي الله عنه باسم “زيد بن محمد” بعد نزول الآية القرآنية، فمن المحال أن يسمح بأن تُدعى بناته بالتبني (كما يزعم البعض) باسمه صلى الله عليه وسلم، إن كان الأمر كذلك، لكان أُعلن عنه بوضوح وبيان، كما أُعلن عن قصة زيد رضي الله عنه. فغياب مثل هذا الإعلان يُعد دليلاً بحد ذاته على بطلان هذا الادعاء.