الكاتب: سید مصلح‌ الدین

نهاية الغرور العلمي (الجزء الثاني)

 

حقيقة الغرور
لا شك أن كل مغرور لا يرى نفسه ذا غرور، وكلما زادت في وجوده زاد انكاره، وهذا هو الذي جعل العالم يغفل عن غروره وغطرسته، وجعله يقول: «أنا عالم في سبيل الله ومالي وللغطرسة والغرور! أستغفر الله، أين هو غروري وغطرستي!؟.»
وأحيانًا تحصل هذه الغفلة نفسها في ما يتعلق بالموت أيضًا، فمع أنّ الإنسان يؤمن ويعتقد يقينًا بالموت، إلا أنّه يكون غافلًا عنه كأنّ الموت مجرّد أسطورة، أو كأنه لا يحدث إلا للآخرين، فيقول أحيانًا:«جدي لم يمت بعد، ووالدي ما زال حيًّا، فأين الموت؟ لا يزال أمامي سبعون سنة على الأقل، ولن يأتيني أبدًا! فما الحاجة لأن أشغل ذهني به من الآن؟» بينما الحقيقة على خلاف ذلك تمامًا، حيث أن الموت لا يزال يحيط برأس الإنسان، ويجب عليه أن يفكر حوله دائمًا، وعدم ذكرالموت يعني قسوة القلب، وطول الأمل، وهو أصل كل غفلة.
وهكذا، فإن العالم المغرور والمتغطرس، يعتبر سبب غطرسته هو الغفلة وعدم الانتباه لحاله، فلا يهتم بذلك. وحقيقة الغطرسة هي أن العالم يرى جميع أفعاله وأفكاره المتكبرة حسنة، لذلك لا يرى حاجة للتفكر فيها، وطالما لم يتأمل في علاماتها، أو لم يخبره بها صديق ناصح، فلن يدرك مدى غطرسته، لأن هذه الصفة يدركها الآخرون قبله.
مراتب الغرور ودرجاته
من مراتب الكِبْر والغطرسة أن يرى الإنسان نفسه أعلى من غيره في المال أو الأولاد أو العقل أو الجمال أو غير ذلك، فيحقر الآخرين ويزدريهم، والكِبْر في مثل هذه الأمور حماقة عظيمة، لأن المالك الحقيقي لكل شيء هو الله تعالى، وإنما أُعطيت هذه الأمور للعبد على سبيل العَرَض والامتحان، ومتى شاء الله سلبها منه فورًا، وإن لم يُسلبْها منه في حياته، فإنها بعد موته بأيام قليلة تؤول إلى الزوال والفناء، فأين محل التكبر إذًا؟ إن المتكبر يظن أنه وإن كانت هذه النعم عارضة لديه، إلا أنها لا تزال سببًا كافيًا للغطرسة، وهو لا يرى التفوّق على الآخرين إلا في هذا الأمر وحده، مع أن كثيرًا من الأغنياء يرون أنفسهم في ميدان العلم والعمل أدنى من غيرهم، وهذه الطريقة من الكِبْر (الكِبْر بالمال والثروة) أدنى مرتبة من الكِبْر العلمي والعملي. ولهذا السبب، كان الشيخ الفقير المتكبر أكثر عُرضة لسخط الله وغضبه؛ لأنهم لا يملكون حتى الأسباب الزائفة والكاذبة التي يُمكن أن يتكبروا بها، ومع ذلك يُصابون بالكِبْر.
إن أعظم أنواع الغرور هو أن يسعى الإنسان سعيًا كاذبًا ليكون عظيمًا أو وليًا؛ لأن العزة والعظمة إنما تكون في القرب من الله والاتصال به، وقد أدرك ملوك الدنيا العظام هذه الحقيقة، فصاروا يرون خدمة الفقراء شرفًا، لذلك، فإن الغرور بالعلم والعمل هو أعظم أنواع الكِبْر وأشدّها حماقة؛ لأن المال والأولاد وسائر أسباب العظمة عند الأغنياء تُرى إلى حدٍّ ما، ويُتكبَّر بها.
فأسباب العظمة في العلم والعمل ليست مما يُرى بالعين، بل كلها نظريات وخيالات، لأن قبول العمل أو عدمه غير معلوم لأحد، وهو متعلق بفضل ورضا الله تعالى. فأعظم الأولياء والعرفاء لا يمكنه أن يجزم بأن عمله يليق بشأن الله أو أنه مقبول لديه، ولا أحد يعلم بقبول العمل، بل كلما زادت معرفة العبد، ازداد شعوره بحقارة عمله وخوفه منه، وإذا أظهر أحيانًا بعض أعماله أو أحواله شكرًا للنعم أو لبيان فضل الله، فإنه يُظهر معها عجزه وانكساره، وهذا لا يُعد تكبرًا، ويوجد نوع من الكبر أسوأ من ذلك، وهو أن يُظهر الإنسان نفسه بمظهر المتواضعين، ثم يرى نفسه بذلك أفضل من غيره. مثل هذا الشخص لا يشعر أصلًا بأنه متكبر، ولذلك يكون إثمه أشد من الكبر العادي.[1].
تعريف الغرور:
معنى الغرور أو الغطرسة هو أن يرى الإنسان نفسه متفوقًا على غيره في صفات الكمال، ويعتبر الآخرين حقيرين وذليلين. كما جاء تعريف التكبر في الحديث على النحو التالي: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ»[2].
يُدرِك الإنسان غروره عندما يشعر بتفوّق على الآخرين، أو يرى في نفسه شيئًا أو سببًا يجعله يحقر الآخرين ويظن نفسه أعلى منهم. وتشمل هذه الأسباب ما يلي:
١. العلم
٢. الذكاء
٣. المال
٤. العبادة
٥. الجمال
٦. الأولاد
٧. كِبَر السّن، وغيرها…
الاستكبار: هو اعتماد النفس المفرِط والتكبّر، وقد ذُمّ الاستكبار في القرآن باعتباره معصية، لأنه نوع من الشرك. أليس الاستكبار هو ظنّ أو رغبة في التشبّه بكبرياء الله؟ فيبدو أن استكبار المستكبرين إنما هو نوع من نفي حالتهم العادية ومحاولة مساواتهم بمن هو وحده يعني «العلي الكبير».
وقد ورد فعل«استكبر» أربعين مرة، وورد الاسم الفاعل «مستكبر» ست مرات في القرآن الكريم.
إذًا الاستكبار هو ذنب كل من لا يخضع لله ولا يذلّ له. وكان أول ذنب ارتكبه إبليس هو الاستكبار، حين أُمر بالسجود لآدم، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس، أبى واستكبر وكان من الكافرين.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1] ـ جذور جميع المعاصي، ص ٥٧.
[2] ـ صحیح مسلم حديث رقم: (۹۱) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةٌ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version