الكاتب: أبو عرفان

الحسن البصري؛ الزاهد والإمام

(الجزء الأول)

 

المقدمة
إن للسيرة في الإسلام مكانة عظيمة وقيمة رفيعة، وقد تناولت آيات كثيرة من القرآن الكريم سيرة وحياة شخصيات من عصور بشرية مختلفة، كما غطّت الأحاديث النبوية الشريفة هذا الموضوع بشكل واسع، حتى أصبح علم الرجال، وعلم الأنساب، وتدوين السيرة في الإسلام، وخاصة في سيرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، من المواضيع الأساسية المهمة العملية والعريقة.
لقد بيّن الله تعالى في آيات كثيرة من القرآن الكريم سيرةَ نبيّه آدم، وداود، ونوح، وإبراهيم، ويعقوب، ويوسف، ويونس، وهود، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وجمع كبير من الأنبياء الآخرين، إما بشكل مفصل أو مختصر، وشرح لنا الأحوال والأحداث البارزة من حياتهم.
وتوجد في الأحاديث النبوية الشريفة شواهد كثيرة ومستندات عديدة حول هذا الموضوع، ولذلك فإن هذا الموضوع يحتل مكانة عالية ورفيعة في الإسلام، ويمكن العثور في جميع الكتب التاريخية الإسلامية على معلومات قيّمة ومفيدة حوله، كل ذلك ليأخذ القادمون العبرة من أحوال من سبقوهم، فيقتدوا بهم ويصنعوا لأنفسهم حياة فاضلة لتصلح بها آخرتهم.
لقد عُرف على مرّ التاريخ الإسلامي، كثير من الأشخاص بالتقوى، وبعضهم بالجهاد، وآخرون بحسن الخلق وغيرها من الصفات، فكانوا متميّزين في مجتمعاتهم. ومن بين هؤلاء الشخصيات البارزة والمتميّزة في تاريخ الإسلام، والذين تحظى سيرتهم بأهمية خاصة من النواحي التاريخية، والتربوية، والإصلاحية، والأخلاقية، والعلمية، وحتى السياسية، هو شيخ الإسلام وأحد أئمة العالم الإسلامي الكبار: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار، إمام وأُسوة أهل البصرة، وقدوة عصره، والذي لا يزال المسلمون منذ قرون وإلى يومنا هذا يستفيدون من آثاره وأفكاره ونصائحه القيّمة، ويعتبرونه قدوة ومثالًا يُحتذى به، فاسمه ومواعظه وتوجيهاته تتلألأ في سماء التاريخ الإسلامي كالشمس الساطعة، ويُعدّ مرجعًا لعشاق العلم، والمشتاقين لمعارف الله، والسالكين درب التقوى، من أهل الصفّة والمتزهّدين.
سيرة الإمام الحسن البصري رحمه الله
إنَّ شخصيّةَ الإمامِ الحَسَن البصري العلميّةَ والاجتماعيّةَ، ذاتُ أبعادٍ متعدّدةٍ لا يُمكنُ اختصارُها في سطورٍ أو صفحاتٍ قليلة؛ فذلك يُعدّ عملًا ناقصًا لا يُؤدَّى به حقّ الموضوع كما ينبغي، ولهذا سنتناول في هذا المقال الأقسامَ والجوانبَ المختلفةَ من سيرةِ هذا الإمامِ الزاهدِ، القائدِ التقيّ، والعالمِ الحكيم، تناولًا مرتَّبًا ومفصَّلًا بإذنِ الله تعالى.
نسب الإمام الحسن البصري رحمه الله
وُلد أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار في المدينة المنوّرة سنة ٢١ هـ، في عهد خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان أبوه «يسار» مولى زيد بن ثابت، وأمّه «خيرة» مولاة أمّ المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وقد حفظ القرآن الكريم في عهد خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه، وسمع العديد من الأحاديث من جماعة كبيرة من الصحابة، ومنهم العبادلة الثلاثة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.
أساتذة وشيوخ الإمام الحسن البصري رحمه الله
كان للحسن البصري رحمه الله عدد كبير من الأساتذة والمشايخ من الصحابة الكرام، ومنهم: عثمان بن عفان، وأنس بن مالك، وجندب بن عبد الله البجلي، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة بن جندب الفزاري، وعبد الله بن عباس، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمر، وجابر، عمرو بن ثعلب، وعبد الله بن عمرو، ومعقل بن يسار، وأبو هريرة، والأسود بن سريع، وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، والأحنف بن قيس التميمي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير البصري، ووالدته أم الحسن خيرة رضي الله عنهم أجمعين.
ولذلك فإن الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى كان تلميذ مدرسة رجالٍ نهلوا العلم والدين من مزرعة النبوة، وملؤوا أواني حكمتهم من بحر الرسالة، وأخذوا زاد رحلتهم من المائدة المحمدية. فشمّر الإمام عن ساق الجدّ للتعليم في ظل الرواية والدراية، وفي نور كلام الرحمن الرحيم، ولنشر دروس الإيمان والرسالة في أرجاء الأرض، ويعلم القرآن والسنة، ويقوم بتقويم الاستدلال والاستنباط، حتى يخلد الدين ويعمّ التوحيد، وتسود العبادة والتقوى. ولهذا كان للحسن البصري رحمه الله تعالى مثل هؤلاء الأساتذة المحنكين والمعلمين النابغين والمدرسين البارعين، الذين لا تزال الأمة الإسلامية بعد مرور ألف وأربعمئة سنة وأكثر، مدينة بجهودهم وتضحياتهم، ولهذا السبب، أطلق عليه كثير من علماء الإسلام ألقابًا مثل «إمام التابعين»، و«سيد التابعين»، و«شيخ الإسلام». وكان الإمام الحسن البصري رحمه الله متكلمًا ذا رأي، ومفسرًا عليمًا، ومحدثًا ضابطًا، وفقيهًا زاهدًا، وأحد الزهاد الثمانية المشهورين في القرنين الأول والثاني.
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version