الكاتب: خالد ياغي ‌زهِي

حُكمُ الاحتفال بليلةِ يَلدا وتاريخُها

(الجزء السادس)

 

يَلدا في ميزانِ الشريعة:
الشريعةُ هي بدايةُ الطريق، والمنهاجُ هو كيفيةُ الاستمرار في هذا الطريق.
وعليه فإنّ بدايةَ الطريق واستمرارَه، وكيفيته وأسلوبه، في كلِّ دينٍ أمورٌ خاصّةٌ بذلك الدين، ولا يجوز لأحدٍ أن يوافقَ الإسلامَ في بدايته ثمّ يتّبع في مواصلة الطريق الثقافةَ الأوروبية، أو الديانةَ الباطلة القديمة، أو العاداتِ العتيقة، أو تقاليدَ الأسلاف! فهذا أمرٌ لا يمكن اجتماعُه أبداً.
لا يستطيع أحدٌ أن يقول: أتّبع الإسلام في الصلاة والصيام والزكاة، ولكنّي في الأعياد والاحتفالات والمناسبات أتّبع دينَ آبائي وأجدادي! أيُّ عاقلٍ يمكنه أن ينطق بمثل هذا الكلام أصلاً؟ فكيف بمن يقبله أو يسلّم له؟!
وإذا كان منهجُنا وطريقُنا يختلف عن سائر الأديان، وقد جعل اللهُ تعالى شريعةَ ومنهجَ كلِّ دينٍ خاصّاً به، فكيف نجرؤ على الإعراض عن الشريعة والمنهاج الكامل للإسلام، ثمّ نتّجه إلى منهج وطريق دينٍ منسوخٍ كدين زرادشت، ونحتفل بليلة يَلدا بناءً على تعاليمهم وتراثهم الذي أُبطل؟!
ينبغي أن نخافَ اللهَ الذي أحاط بكلِّ شيءٍ علماً، وهو خبيرٌ بخفايا قلوب عباده، وأن نتيقّن بقوله تعالى: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)[1].
يا أيّها المسلمون، اعلموا أنّ عيدَ كلِّ دينٍ خاصٌّ بذلك الدين، ولا يحقّ لأحدٍ أن يتّبع أعيادَ الديانات السابقة، كدين ميثرا (الهندوس) أو دين مهر (الزرادشتيين)، وأن يحتفل بها؛ لأنّ ذلك يتعارض مع خصوصيّات كلِّ دينٍ، ويخالف تعاليم الإسلام.
قال الله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ)[2]، لقد جعل اللهُ لكلِّ دينٍ برنامجاً خاصّاً، وحدّد له طريقاً ومنهجاً معيّناً؛ فهل يوجد كلامٌ أوضحُ من هذا؟ إنّ الله يصرّح بوضوحٍ أنّ برنامجَ كلِّ أمّةٍ خاصٌّ بها.
فلا يجوز لأيّ مسلمٍ أن يسمح لنفسه باتّباع مناهج الأديان الأخرى، أو الاحتفال بالأعياد الباطلة للزرادشتيين، وإظهار الفرح بها، ولو أنّ الناس أدّوا عباداتهم خالصةً لله، ثم أقاموا الأعياد المرتبطة بتلك العبادات، لكانوا فائزين في الدنيا والآخرة.
وقد نهانا اللهُ عن مجرّد الميل أو القرب من الأديان القديمة المنسوخة، فكيف يُعقل بعد ذلك أن نميل إليها ونحتفل بأعيادها، ونتشبّه بهم في عاداتهم وتقاليدهم؟!
قال الله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ)[3].
فإذا كان الميلُ اليسيرُ إلى أهل الظلم سبباً للهلاك والسقوط في النار، أفلا يكون الميلُ الشديدُ إلى الكفّار، ولا سيّما بالاحتفال بأعيادهم، سبباً أعظم للهلاك والعذاب؟
لذلك يجب على كلِّ مؤمنٍ أن يبتعد عن الميل إلى العادات الجاهلية، وألّا يحتفل بالأعياد الباطلة لأسلافه. أتحبّون أن تتعرّضوا للعذاب بسبب مثل هذا العمل؟
وقد قال رسولُ الله ﷺ صراحةً:«مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[4]، فمن يحتفل بالأعياد غير الإسلامية، ويحيي طقوسها، ويقتدي بمن يقيمها، أليس قد تشبّه بهم؟ أليس قد شابههم في هذه الأمور؟ لقد نهى اللهُ تعالى أممَ أنبيائه دائماً عن التشبّه بالأقوام الضالّين أو المغضوب عليهم، وذمّهم بشدّة على المشابهة في الأمور المحرّمة والباطلة والعبثية، ولذلك قال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)[5].
والشاهد في قوله تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ)؛ حيث عاتبهم الله على هذا القول وذمّهم بسبب مشابهتهم فيه، فكيف بالمشابهة في الأعياد والاحتفالات والطقوس؟
وقد ذمّ اللهُ مثل هذه المشابهات في كلِّ أمّة، ومنعها بشدّة، ولام أصحابها، وقال في موضعٍ آخر:
(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)[6].
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1] سورة المائدة، الآية: ۴۸.
[2] سورة الحج، الآية: ۶۷.
[3] سورة هود، الآية: ۱۱۳.
[4] أبو داود السِّجِسْتاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود،
الجزء الرابع، ص ۷۸، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة،
رقم الحديث: ۴۰۳۳، دار الكتاب العربي – بيروت.
[5] سورة البقرة، الآية: ۱۱۳.
[6] سورة البقرة، الآية: ۱۱۸.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version