الكاتب: خالد ياغي زهي

حُكم الاحتفال بليلة يَلدا وتاريخها

(الجزء الخامس)

 

يَلدا في ميزان الشريعة
إن اتخاذ ليلة يلدا عيداً، وإقامة المراسم والاحتفالات فيها، أمرٌ محرّم، وذلك للأسباب الآتية:
إن ليلة يلدا تُعدّ من الأعياد الخاصة بأديان أخرى، كالمجوس (الزرادشتيين) والهندوس والمسيحيين، وليست من الأعياد الإسلامية، والاحتفال بها يُعدّ تشبهاً بالكفار.
لما يرتبط بهذه الليلة من معتقدات باطلة وفاسدة، مثل: الاعتقاد بنحس تلك الليلة، والاعتقاد بأن الإنسان يتطهّر من الآثام في صباح أول يوم من شهر «دي/جدي»، وإشعال النار لطرد الشرور والآفات، والاجتماع لدفع الأضرار والخبائث، والسهر لمشاهدة طلوع الشمس، وغيرها من المعتقدات المشابهة.
لما يقع في هذه الليلة من معاصٍ ومحرمات، مثل: اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات من الأقارب، والإسراف في المال والطعام والفواكه والأطعمة، في الوقت الذي يقضي فيه الفقراء والمحتاجون أبرد ليلة في السنة بلا طعام ولا لباس!، وإضاعة الوقت وصرفه في غير عبادة الله، وإحياء الطقوس البالية المنسوخة والباطلة، والغيبة والكلام اللغو، وسماع الموسيقى، وسائر المحرمات من هذا القبيل.
أولاً: بناءً على جميع المعلومات التي ذُكرت في الأجزاء السابقة، تبيّن لكم أن ليلة يلدا من عادات الديانات غير الإسلامية، وتُعدّ من طقوسها ومراسمها الخاصة.
ثانياً: علّم الدين الإسلامي الحنيف المسلمين أن دينهم كامل، ولا حاجة لهم إلى المراسم والطقوس الموجودة في الأديان الأخرى.
ثالثاً: بيّن الإسلام في مصادره أن المسلم لا يجوز له أن يُشابه الكفار أو يتشبه بهم في عاداتهم وطقوسهم وأعيادهم.
قال الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[1].
ومعنى الآية: لقد بيّن الله جميع الحلال والحرام، وبيّن شعائر المسلمين ومناسكهم، وأكمل هذا الدين. فبعد ذلك، ما الحاجة إلى الاحتفالات والأعياد الموجودة في أديان أخرى؟
فإن قال قائل: هناك حاجة، فقد ظنّ أن الدين لم يكتمل، وهذا مخالف للآية وتكذيب للقرآن والسنّة. وإن قال: لا حاجة، ثم سعى إلى هذه الاحتفالات، فقد ناقض قوله بفعله، ووقع في عمل عبثي لا يفعله عاقل، إذ كذّب قوله بعمله.
لقد جعل الله لكل دين شعائره ومناسكه وطقوسه الخاصة به، ولا يجوز لأحد أن يتبع في دينه عادات دين آخر، كإقامة احتفال يلدا الذي هو من شعائر الديانة الزرادشتية؛ لأنه من آدابها الخاصة، ولا يحلّ لأي مسلم أن يحتفل به. قال الله تعالى:
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)[2].
يا أيها المسلم، إذا كنت تعلم أن الله تعالى أنزل كتابه ودينه بالحق، وجعله ميزاناً للفصل في الخصومات، والرجوع إليه عند الاختلاف، وحلّ المشكلات، والجواب عن التساؤلات، فما بالك لا ترجع إلى هذا الكتاب نفسه في مسألة الأعياد والمناسبات، لترى ماذا قال ربك فيها؟
وخاصة أن الله نهى في هذه الآية صراحةً عن اتباع الأهواء والميول الشخصية والإعراض عن الحق، فقال:
(وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ)[3]، أي: إياك أن تتبع عادات الناس وطقوسهم وأذواقهم الشخصية وثقافاتهم واحتفالاتهم، فتصدّك عن قبول الحق واتباعه!
فلا يجوز أن تجعل الأهواء الفاسدة المخالفة للحق بديلاً عنه، فتستبدل الذي هو خير بالذي هو شر، ولا أن تبتعد عن الحق اتباعاً للرغبات النفسية وآراء الآخرين، فإن الله قال:
(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)[4]،
أي: جعلنا لكل أمة منكم شريعةً واضحةً وطريقاً بيّناً.
وقد بيّن الله تعالى تخصيص هذه البرامج والشعائر، ليعلم المخاطَب أنه لا يجوز له ترك خصائص دينه والالتفات إلى خصائص أديان أخرى.
فـ«شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» المقصود بهما الطريق والمنهج والدين؛
فقال بعض العلماء: «شِرْعَةً» باعتبار القانون، و«مِنْهَاجًا» باعتبار الوضوح والبيان، أي: جعلنا لكل أمة قانوناً واضحاً بيّناً، وقال آخرون: «شِرْعَةً» إشارة إلى العقائد، و«مِنْهَاجًا» إشارة إلى الأحكام[5]، أي: جعلنا لكل أمة عقائد وأحكاماً خاصة بها.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1] سورة المائدة، الآية: ۳.
[2] سورة المائدة، الآية: ۴۸.
[3] سورة المائدة، الآية: ۴۸.
[4] سورة المائدة، الآية: ۴۸.
[5] تفسير ابن كثير، الجزء الثالث، ص ۷۹، سورة المائدة، تحت الآية: ۴۸، المجلد الثامن، تخريج الأحاديث: هاني الحاج، المكتبة التوفيقية، مصر، سنة الطبع: ۲۰۱۳م.
وكذلك مدارك التنزيل وحقائق التأويل (تفسير النسفي)، الجزء الأول، ص ۳۲۵، سورة المائدة، تحت الآية: ۴۸، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، المجلد الثاني، مكتبة وحدي، بيشاور.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version