إن إحدى الرذائل الأخلاقية التي ليست مشهورة فقط بين علماء الأخلاق، بل تُعرف أيضاً بين عامة الناس كصفة قبيحة، هي «الغرور». هذه الصفة الذميمة تؤدّي إلى اغترار الإنسان بنفسه، وجهله بنفسه وبالآخرين، ونسيان مكانته الفردية والاجتماعية، والانغماس في الجهل والغفلة. ومن فروع الغرور: الغرور في العلم؛ لأن شجرة العلم والمعرفة تُصاب أيضاً بـ «الآفات». وآفة العلم والعالِم هي «الغرور»، ويظهر الغرور العلمي بأشكال مختلفة، ولذلك فإن «تشخيص الآفات»و«مكافحة الآفات» في ميدان العلم، خلال فترة الدراسة والسعي العلمي، أمر ضروري.
الكلمة التي اخترتها عنواناً لهذا المقال هي «الغرور العلمي»، وهذه الكلمة تعني خداع النفس، وإعطاء الأمل الكاذب بشيء، والطمع الباطل والعبثي، وتُستخدم في الفارسية أيضاً بمعنى الكبر، والغرور، والإعجاب بالنفس، ولا شك أن الغرور والإعجاب بالنفس مرضٌ قاتل ومدمّر، يجرّ الإنسان إلى هاوية الهلاك والدمار، وينزع عنه لباس العزّة، والغرور العلمي هو ذلك المرض الذي، إذا أُصيب به الإنسان، فقد دقّ فعلاً مسمار الهلاك في نعشه، وهذا المرض القاتل يصيب غالباً طلاب العلم، ويصبح منشأً لكل أنواع الفساد والخراب في الحياة. إنّه مرض مدمّر لا يعرف حدودًا، ويأكل الأخضر واليابس.
والذي يَصُدّ الإنسان عن الغرور العلمي هو التزام التقوى وخشية الله تعالى، وأيّ علم لا يمنع الإنسان من الغرور فهو علم لا طائل تحته، ولم يمنع طلاب العلم اليوم من البحث والتحقيق إلا وقوعهم في الغرور العلمي! فإن الغرور يُفرغ قلب الإنسان من نور العلم الحقيقي، ولهذا أصبحت صدور طلاب العلم والمعرفة خالية من هذه النعمة!
الغرور العلمي:
من البديهي أن الكِبر والغرور يظهران بسرعة في الشخص العالِم والواعي ويؤثران فيه تأثيرًا بالغًا، ولهذا قال الإمام محمد الغزالي رحمه الله: «آفةُ العلم الخُيَلاءُ»، أي أن آفة العلم هي التبختر واعتقاد العظمة في النفس.[2]
ويقول أيضًا: «كم من عالم يشعر بالتفوق بعلمه، وينظر إلى الآخرين بعين الاحتقار، ويظنّهم جُهّالًا وأغبياء». [3]
اعلم أن الغرور من أوضح أسباب الهلاك، وأن أنواع المغرورين والمخدوعين كثيرة، ونحن نذكر أربعة أصناف منهم:
۱. أول وأخطر سبب للغرور هو العلم.
۲. الصنف الثاني من المخدوعين هم العُبّاد.
۳. الصنف الثالث من المغرورين هم المتصوفة.
۴. الصنف الرابع هم أهل الدنيا والأغنياء.[5]
الغرور في العالم سُمّ قاتل لا دواء له، وهذا الغرور الباطل من العالم يُفسد كلّ جهوده ويُذهبها سُدى، فلا ينبغي للعالم أن يغترّ أبداً، لأنه في سبيل الله تعالى، وكلّ ما ناله من علم فإنما ناله في سبيل الله، فما الذي يدفع العالم إلى أن يغترّ بعلمه الذي حصله في سبيل الله؟
يقول الله سبحانه وتعالى: [يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم].[6]
ينبغي أن يُستخدم هذا العلم في سبيل الله، لا أن يُصبح وسيلة للغرور بالله والتكبّر على عباده واحتقارهم. ومَثل الغرور كمَثل من يقف على قمة جبل، فيرى الناس صغارًا، وهو غافل عن أن الناس أيضًا يرونه صغيرًا، وهناك من العلماء من اغترّوا بعلمهم، فظنّوا أن لهم عند الله مقامًا ومكانةً بفضل علمهم، وأنهم بلغوا من العلم منزلةً تُعفيهم من العذاب، ولا يُحاسبون على ذنوبهم وأخطائهم، فهؤلاء مغرورون ومخدوعون. أمّا من عرف الله حق معرفته، وعرف صفاته، وكان له إدراكٌ حقيقي بعلم المعاملة والمكاشفة، فإن خوفه من الله يكون أعظم، ومعرفته بالله تزداد، فيزداد معها خشيته وتواضعه.
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لِلّه»[7] فمن لم يكن على دراية بعيوبه الباطنية، أو كان على علم بها ولكنه لا يسعى لإزالتها، فهو مغرور، ولا ينفعه علمه ولا معرفته شيئًا.
فوساوس الشيطان هي التي تدفع الإنسان إلى الغرور بدرجات متعدّدة، وليس الغرور إلّا نابعًا من الشيطان، فالغرور هو اتباع للشيطان وخداع للنفس، وهو من أعظم أسباب هلاك الإنسان عند الله تعالى. فلا ينبغي للعالِم أن يسمح لغروره أن يمنعه من الوصول إلى الله تعالى، ولا ينبغي له أن يظنّ أن الشيطان لا يأتي إليه لأنه عالم، والشيطان يحاول أن يُحيط بالإنسان من كلّ جانب، فإذا أُغلِق عليه باب، دخل من باب آخر! أي أنّه يتسلّط على الإنسان من طُرق مختلفة ويُغريه ويُضلّه، لذلك، فإنّ أوّل ما يُجدي في الوقاية من الغرور هو الابتعاد عن وساوس الشيطان واجتنابها.
سبب الغرور والإعحاب بالنفس:
كما أنّ الناس يكرهون الشخص المتكبّر والمغرور، فإنّهم بالمقابل يألفون الشخص المتواضع ويتعاملون معه باحترام، مما يُؤدّي إلى رفعة مكانته وشخصيّته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلّهِ رَفَعَهُ الله».[8]
وقد اتفق جميع العلماء على أنّ الإعجاب بالنفس والغرور والتكبّر ينشأ من الجهل؛ لأنّ الإنسان العاقل أوّل ما يسعى إليه هو تشخيص عيوبه التي استقرّت في كيانه كأنّها فيروس مدمّر، ثمّ يعمل على إصلاحها، لا أن ينشغل بعيوب الآخرين.
لذلك، فإنّ الذنب الذي يجعل الإنسان يُذلّ نفسه ويشعر بالهوان، ويُظهر عجزه وانكساره بين يدي الله ويطلب منه المغفرة، خيرٌ من طاعةٍ تُفضي به إلى الإعجاب بالنفس والهلاك.