الكاتب: سید مصلح الدین

حبّ محمد المصطفی صلی الله علیه وسلم

(الجزء الثاني)

 

مفهوم المحبّة وحُكمها: 
يُعرَّف لفظ «المحبّة» أحيانًا بأنّه ضدّ البغض، ويرى بعض العلماء أنّ المحبّة تدلّ على معنى خاص، بحيث إذا قال أحدٌ: «أنا أُحبّ فلانًا»، فإنّما يعني بذلك: «قلبي ممتلئ بعشقه ومودّته»
 فالمقصود أنّ عواطف الإنسان ومحبّته قد نفذت إلى أعماق قلبه، وبلغت مركز وجوده، أي قلبه، فالمحبّة قد تكون نورًا يزيل ظلمات القلب، وتظهر في الإنسان على شكل مشاعر واضحة، وهذه المحبّة ليست تظاهرًا، بل هي نابعة من أعماق النفس، وتؤثّر في نظراته وسلوكياته، ويمكننا أن ننال حبّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حين نذكره بخير ونُثني عليه مدحًا وتمجيدًا.
يقول ابن القيم رحمه الله في المحبّة: «لا يمكن وصف المحبّة بلفظ أوضح ولا أشمل ولا أيسر فهمًا من لفظ المحبّة نفسه، لأنّ المحبّة مع كونها كامنة في قلب المحبّ، فإنّها تظهر في سلوكه وتعاملاته وسماته، وحينئذٍ يصعب التعبير عنها، وهذا من دقّة معناها، فالمحبّة مقولة، ووجودها في القلب مقولة أخرى، فكثير من الناس قد امتلأت قلوبهم محبّة، ولكن لو سُئلوا عن حقيقتها، لما استطاعوا أن يعبّروا عنها أو يبيّنوا أحكامها.»[1]
فالسؤال هو: هل يمكنك أن تقول «أحبّ فلانًا إلى أيّ درجة»؟ وما هو مقدار محبّتك له؟ الجواب: إنّ تعريف المحبّة ووصفها أمر مشكل. وكذلك، هل تستطيع أن تقدّم سببًا دائمًا لحبّك لشخص ما؟ هذا أيضًا صعب، لأنّ المحبّة أحيانًا تكون فجائيّة، فينجذب القلب إلى شخص ويخفق له، وأحيانًا تعيش مع شخص مدّة طويلة ومع ذلك تشعر بثقل في القلب تجاهه وتخاف منه، وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء.»[2]
ففي نشوء المحبة وتقلّباتها أسرار عظيمة تتجلّى فيها عظمة الله في خلق الإنسان.
ما بين غمضة عينٍ وانتباهتِها
يُبدِّلُ اللهُ من حالٍ إلى حالٍ
قد كان هناك أحيانًا من يُحبّون بصدق، ولكن بسبب كلمة أو نظرة، نُزعت المحبّة من قلوبهم، وأصبح الشخص يبغضهم من أجل ذلك الرأي أو تلك الكلمة، لذا، لا تُحَدُّ المحبّة بتعابير وألفاظ ثابتة. ومع ذلك، فقد قدّم العلماء تعريفات اصطلاحية متعددة للمحبّة، منها:
۱. قال القاضي عياض: «حقيقة المحبّة هي الميل إلى ما يوافق طبع الإنسان، وهذا الميل قد يكون ناشئًا عن إدراك ولذّة يستفيد منها القلب، أو لِما فيه من اللذّة للعقل أو القلب، أو بسبب الإحسان والفضل الذي أظهره الشخص للآخر حتى استولى على قلبه، وإذا أدركنا هذا، علمنا أنّ جميع أسباب المحبّة قد اجتمعت في ذات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو مظهر جامع للصفات التي تجذب محبّة القلوب إليه.»[3].
فالمحبّة هي الميل إلى ما يوافق المحبوب، فكلّما وافق المحبوبُ شخصًا، وعاشره، ورغب فيه، وتابعه، فإنّ هذه من علامات المحبّة للمحبوب، ولكن مع ذلك إذا تأمّلنا بدقّة، ندرك أنّ هذه ليست تعريفًا للمحبّة، بل هي وصفٌ لآثار المحبّة وتجلياتها.
۲. قال الإمام النووي رحمه الله: «أصل المحبّة هو الميل إلى ما يوافق المحبّ، وهذا الميل يكون أحيانًا لما وجد المحب فيه من اللذّة والجمال الظاهر، كالصورة والصوت، وأحيانًا يوجد من طريق العقل، كمحبّة الصالحين والعلماء، وأحيانًا لما يُظهره المحبوب من إحسان ودفع ضرر، وجميع هذه الصفات والفضائل متحققة في ذات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فكماله وعظمته، وفضله وإحسانه إلى جميع المسلمين، من خلال هدايتهم إلى الصراط المستقيم، وتثبيت النعم، والوقاية من النار، كلّها أمور واضحة وظاهرة.»[4]
ولذلك، تزداد المحبة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتتوجه إليها جميع أنواع المحبة، وأعلى مراتب المحبة وأسمى درجاتها تستحق شخصيته المعصومة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحق أن تجذب إليه المحبة الظاهرة والباطنة في كل زمان ومكان.
ومن أهم عوامل المحبة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو الرابط العميق بين محبة قائد العالمين ومحبة الله تعالى،لأنه في الدنيا لا توجد محبة أسمى وأكمل من محبة العباد لربهم، وفي الوجود لا شيء يستحق المحبة كما يستحقها الله تعالى من جميع الوجوه. وجميع أنواع المحبة في الحقيقة تابع لمحبة الله تعالى، لذا فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم محبوب للجميع ومطاع.
نحن نتطرق إلى حبّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ونؤكد على ربط محبتنا به، وهذا الربط يتحقق من جوانب مختلفة:
١. الجانب العقلي: وهو اكتساب معلومات كافية عن حياة وسنة الرسول، والاجتهاد في نشر أحاديثه القيمة والالتزام بأوامره الشرعية والواجبات والمستحبات الدينية.
٢. الجانب القلبي: وهو وجود عاطفة جميلة ومشاعر حارة ومحبة عميقة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بحيث يكون القلب والوجود مرتبطين بكل ما في وجود الرسول الكريم.
٣. جانب الأعضاء والجوارح: وتتحقق المحبة من خلال اتباع سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في الأقوال والأفعال.
ويجب التوضيح أنه لا يمكن القول إن المحبة تعني فقط الاتباع والطاعة، فحينئذ ماذا تكون المشاعر القلبية؟ كما لا يمكن الادعاء بأن المحبة هي فقط المشاعر القلبية، وحينئذ ماذا تكون الطاعة الصادقة؟ ولا يمكن القول بأن هذين الأمرين وحدهما كافيان، فماذا عن العلم الدقيق وفهم سيرة وهدايات الرسول؟ لذلك، يجب أن تنبع محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ظاهرنا وباطننا، وأن تكون مرتبطة بالعقل والتفكير والأعضاء والأفعال، وعندها تكون محبتنا صادقة وخالصة، ظاهرة وباطنة، وإذا تجلت هذه المحبة في جميع جوانبها، نستطيع أن نؤدي جزءًا من
حقوق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علينا.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1] ـ طريق الهجرتين، ج ۱، ٤٦١.
[2] ـ صحیح مسلم.
[3] ـ کتاب الشفا، ج ۲،ص ٢٩.
[4] ـ شرح النووي على صحيح مسلم.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version