الكاتب: خالد ياغي ‌زهي

حكم الاحتفال بليلة «يَلدا» وتاريخها

الجزء الثالث

 

تاريخ ليلة يَلدا وبيان حقيقتها
تُعدّ ليلة يَلدا من الطقوس القديمة والمحبوبة لدى بعض الأقوام. ويُطلَق هذا الاسم على الفترة الواقعة ما بين غروب شمس يوم ۳۰ من شهر قوس/آذر (آخر أيام الخريف) إلى طلوع شمس اليوم الأول من شهر جَدي/دي (أول أيام الشتاء)[1].
تحتفل كثير من الأقوام بليلة يَلدا، وهي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية توافق الانقلاب الشتوي؛ ولذلك يبدأ من ذلك الحين ازدياد طول النهار وتناقص طول الليل. ففي آخر ليلة من الخريف وأول يوم من الشتاء يقع الانقلاب الشتوي الذي يحدث تغيرًا مناخيًا، وحيث تكون الشمس في أقرب موضع لها من خط الأفق، فيكون النهار أقصر ما يكون، والليل أطول ما يكون في السنة. وتصل الشمس في حركتها السنوية، في أواخر الخريف، إلى أدنى نقطة لها في الأفق الجنوبي الشرقي، مما يؤدي إلى قِصَر النهار وطول فترة الظلام[2]. غير أنها، مع بداية الشتاء أو الانقلاب الشتوي، تعود مرة أخرى في اتجاه الشمال الشرقي، وينتج عن ذلك ازدياد الإضاءة النهارية ونقصان الليل.
وبعبارة أخرى، فإن الشمس خلال الأشهر الستة الممتدة من بداية الصيف إلى بداية الشتاء تشرق كل يوم من نقطة أدنى من سابقتها في الأفق، إلى أن تبلغ في مطلع الشتاء أدنى موضع جنوبي لها، على بُعد ۲۳.۵ درجة من الشرق أو من نقطة الاعتدالين. وبعد هذا اليوم تنعكس حركة شروق الشمس، فتعود تدريجيًا نحو الأعلى حتى تبلغ نقطة الانقلاب الصيفي من جديد. وكان ابتداء عودة الشمس نحو الشمال الشرقي وازدياد طول النهار يُعَدّ في معتقدات الشعوب القديمة زمان ولادة الشمس من جديد، ولذلك كانوا يعظّمونه ويتفاءلون به.
إن يَلدا والاحتفالات التي تُقام في هذه الليلة تُعدّ من التقاليد القديمة. فقد كان الناس في الأزمنة السحيقة يعتمدون على الزراعة بوصفها أساس حياتهم، ويعيشون مع تعاقب الفصول والتغيرات الطبيعية، وبمرور الزمن والتجربة استطاعوا أن ينظموا أعمالهم ونشاطاتهم وفق حركة الشمس، وتغير الفصول، وطول النهار وقصره، واتجاه النجوم وحركتها[3].
وكانوا يلاحظون أن الأيام في بعض الفصول تطول كثيرًا، مما يتيح لهم الاستفادة أكثر من نور الشمس وضوئها. فنشأ الاعتقاد بأن النور والضياء وأشعة الشمس رمز للخير والانسجام، وأنها في صراع دائم مع ظلمة الليل. وقد أدرك أهل العصور القديمة، ومنهم الأقوام الآرية والهندية-الإيرانية والهندية-الأوروبية، أن أقصر الأيام هو آخر يوم من الخريف وأول ليلة من الشتاء، وأن الأيام بعده تبدأ في الطول تدريجيًا والليالي في القِصَر؛ ولهذا أطلقوا عليه ليلة ولادة الشمس، وجعلوه مبدأً للسنة[4].
وهكذا، في الثقافة الأوستائية القديمة، كانت السنة تبدأ بالفصل البارد، وقد ورد في الأوستا لفظ Sareda / Saredha (سَرِدَ/سَرِذَ) بمعنى «السنة»، وهو في أصله يدل على «البرد»، في إشارة إلى بشارة انتصار أهورامزدا على أهريمن، والنور على الظلمة[5].
وإذا تأملتَ علمتَ أن ليلة يَلدا ذات جذور غير إسلامية، بل تقوم على تقديس الشمس، وهو من خصائص عبدة الشمس أو المهرپرستان (عبّاد الإله مهر/ميترا) أو عبدة النار. إذ كانوا يرون ليلة يَلدا، أو ما يُسمّى ليلة «چِلّه»، ليلة ولادة إله الشمس (مهر)، ويقومون بالاحتفال بها تعظيمًا وتمجيدًا لإلههم. بل إن الديانة الأوستائية جعلت هذا اليوم أول يوم رسمي في سنتها. ويُقال: إن لفظ «يلدا» كلمة سريانية بمعنى «الولادة»، أي ولادة الشمس (مهر/ميترا)، وقد سمّى الرومان هذا اليوم Natalis Solis Invicti أي «يوم ميلاد الشمس التي لا تُقهر»[6].
وبحسب المعتقد الزرادشتي، فإن الظلمة، التي كانوا يعدّونها في هذه الليلة الطويلة ليلةً أهريمنية مشؤومة، تُهزَم في نهايتها، وينتصر النور، وتُولد الشمس، وتبدأ الأيام في الطول.
وقد ذكر أبو الريحان البيروني حقيقة هذه الليلة ومناسبتها، فقال:«اسم هذا اليوم ميلاد أكبر، والمقصود به الانقلاب الشتوي. ويقال: في هذا اليوم يخرج النور من حدّ النقصان إلى حدّ الزيادة، ويبدأ الناس في النمو، وتفنى الشياطين»[7].
وفي كتاب الآثار الباقية للبيروني ذُكر اليوم الأول من شهر «دي» باسم خور، أي اليوم الذي وُلدت فيه الشمس أو مهر. ومن اللافت أن ليلة يَلدا سُجّلت في كتاب القانون المسعودي – نسخة المتحف البريطاني في لندن – باسم «خُرَّه روز»، وإن كانت قد وردت في بعض المصادر الأخرى باسم «خُرَّم روز»، وكان الرومان يسمّونها «ناتاليس أنايكتوس»، أي يوم ميلاد مهر الذي لا يُقهر. وقد سمّى البيروني هذا العيد بـ«الميلاد الأكبر»، وقصد به ميلاد الشمس[8].
وكان الإيرانيون القدماء يعتقدون أن معنى ولادة الشمس هو خلاصها من قبضة الشياطين؛ إذ آمنوا بأن الشمس (إله مهر) في ليلة يَلدا تتحرر من قبضة الأهريمن (إله الشر). ولهذا كانوا يجتمعون اتقاءً لنحوسة تلك الليلة، ويقيمون طقوسًا خاصة، ويتناولون أطعمة وفواكه معينة، ويعدّونها ليلة الخلاص من الشرور والمصاعب؛ لأن إلههم (مهر/ميترا) قد نجا فيها من إله الشر.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الليلة توافق الليلة التي يعدّها المسيحيون عيد ميلاد المسيح عليه السلام، أي عيد الميلاد (الكريسماس). ولم يقتصر الاحتفال بها على المسيحيين، بل شاركتهم فيها أقوام هندية أيضًا، كما أضفت أديان متعددة على ليلة «چِلّه» طابعًا دينيًا. ففي الديانة الميترائية، كان أول يوم من الشتاء يُسمّى «خوره روز» (يوم الشمس)، وهو يوم ميلاد مهر وبداية السنة الجديدة، وهو تقليد ما زال أثره قائمًا في التقويم الميلادي الذي يُعدّ امتدادًا للتقويم الميترائي، وقد ظهر بعد نحو أربعمائة سنة من بدء التأريخ الميلادي.
وتختلف الطوائف المسيحية فيما بينها في تحديد يوم ميلاد المسيح، لكنها تجعله في أحد الأيام القريبة من الانقلاب الشتوي، كما تُقام احتفالات رأس السنة والكريسماس في هذا التوقيت، شأنه شأن التقويم السيستاني القديم.
وكان مبدأ السنة في التقويم السيستاني القديم يبدأ مع الشتاء، ومن اللافت أن اسم أول شهر من سنتهم كان «كريست». أما نسبة «الميلاد» إلى ميلاد المسيح، فترجع إلى عصور متأخرة؛ وقبل ذلك – كما ينقل البيروني في الآثار الباقية – كان المقصود بالميلاد هو ميلاد مهر أو الشمس. كما أن تسمية أول شهر من الشتاء والسنة الجديدة باسم «دي» بمعنى «الخالق/الإله» ترجع هي الأخرى إلى المعتقدات الميترائية.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1] أحمدزهي، عبد السلام، ليلة يَلدا في شريعة الله، ص ۳۲، تاريخ النشر: ۱۳۹۶هـ ش، إيران.
[2] فره‌وشي، بهرام، جهان فروري، ص ۲۱۴، سنة الطبع: ۱۳۹۱هـ ش، الناشر: مؤسسة الطباعة والنشر بجامعة طهران.
[3] شعبان‌نجاد، أفسانه، ليلة يَلدا، ص 91، سنة الطبع: ۱۳۷۷هـ ش، الناشر: محراب قلم، طهران.
[4] أحمدزهي، عبد السلام، ليلة يَلدا في شريعة الله، ص ۳۳، تاريخ النشر: ۱۳۹۶هـ ش، إيران.
[5] المرجع نفسه.
[6] أحمدزهي، عبد السلام، ليلة يَلدا في شريعة الله، ص ۳۴، تاريخ النشر: ۱۳۹۶هـ ش، إيران.
[7] أبو الريحان البيروني، محمد بن أحمد، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ص ۳۵۵، ترجمة: أكبر داناسرِشت، سنة النشر: ۱۳۸۶هـ ش، الناشر: أمير كبير، طهران – إيران.
[8] أبو الريحان البيروني، محمد بن أحمد، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ص ۳۳۶، ترجمة: أكبر داناسِرِشت، سنة النشر: ۱۳۸۶هـ ش، الناشر: أمير كبير، طهران – إيران
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version