لا شك أن حبّ الله مقصود قلب كل مؤمن، وكل مؤمن يسعى ليجعل حبّ الله في قلبه فيلزم عليه أن يسلك الطريق الذي نهايته رضا الله تعالى، وليس هذا الطريق إلا حبّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي نهايته رضا الله تعالى.
نعم! يودّ كل مؤمن أن يصل إلى كمال الإيمان، و واضح أن كمال الإيمان يتحقق حين يحب المؤمن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكثر من أي شيء.
والحب ليس مجرد ادّعاء، بل هو فناءٌ في حضرة المحبوب، واتباع لحركاته وأحواله، وهو الشيء الذي يدفع الإنسان إلى أفعال عجيبة ومذهلة، فالصداقة والمحبة تزيل التعب والملل في سبيل الوصول إلى دار الحبيب، ويكمن فجر الأمل وصبح الوصال وراء ستار المشكلات والشدائد.
وهذا هو الذي، جعل الصحابة المخلصين والعاشقين لمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، يتحملون كل مشقة في سبيل رضا المحبوب ونيل رضوان الله تعالى، وكانوا يدورون كالعشاق حول شمعة النبوة المتوهجة، فإنّ أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأوفياء، لما بلغوا حقيقة الإيمان واليقين بالله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، كانوا يجدون لذة في اتباعه خطوةً بخطوة، ولم يكونوا يرون التأخير في هذا السبيل مقبولاً أبدا، وقد قدموا أروع أمثلة الحب والمحبة في حفظ آثار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله وأحواله.
أرجو أن يلقى هذا المكتوب محل القبول عند الله تعالى، وينال رضاكم أيها القرّاء الكرام! وأن يزداد نور حب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إشراقاً وتألقاً في قلوبنا جميعاً.
يا لَسَعادة تلك اللحظة التي أُهدي فيها قلبي إلى المصطفى،
وأُضيء روحي وقلبي بشراب سنّته.
فيا رب، كيف يمكن أن يحلّق طائرُ قلبه إلى المحبوب!
حتى أُفدي طائرَ روحي على عتبة روضته.
المقدمة:
إنّ الكتابة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تُعدّ شرفًا عظيمًا ومقامًا عاليًا، كما أنّ الحديث عن محبّته صلى الله عليه وسلم يُعدّ زادًا عظيمًا ومتعةً فائقةً تعمّ جميع جوارح الإنسان؛ فاللسان يزداد نضارةً بالصلاة عليه وذكر سيرته صلى الله عليه وسلم، والآذان تأنس بسماع أحاديثه وسيرته العطرة، والعقل والفهم يندهشان من عظمة مقامه، ويتأثّر الإنسان بما ورد في الروايات عنه صلى الله عليه وسلم، أمّا القلب – وهو محلّ الحبّ والعشق – فإنّه ينال أعظم النفع وأكمله، فجميع الأعضاء والجوارح تنتفع بدرجات متفاوتة من خلال الاقتداء بأفعاله، واتباع إرشاداته، والتأثّر بآدابه صلى الله عليه وسلم.
ثم إنّ الحديث عن حبّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كالبحر الذي لا ساحل له، وكلّ خطيب يظنّ أنّه قادر على إحاطة عظمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من جميع الجوانب، أو أنّه يستطيع أن يحيط بجميع مظاهر حبّه صلى الله عليه وسلم، وهل يمكن حقًّا لأحد أن يؤدّي هذا الحقّ في مدّة قصيرة أو في بضع كلمات؟ كلاّ وأبدا! فإنّ المقام الحقيقيّ للرسول الكريم الله صلى الله عليه وسلم أسمى من ذلك، وليس من السهل الوصول إليه، ولذا، يكفينا في هذا المقام أن نذكر شيئًا من سيرته صلى الله عليه وسلم بقدر طاقتنا، بما يحيي قلوبنا ويحرّك مشاعرنا، ويوقظ عواطفنا ويقوّي إرادتنا، ويبعث فينا النشاط، حتى نرتبط بسلوكه ونهجه ارتباطًا وثيقًا، ونتّبعه اتباعًا كاملاً، حتى يكون ذلك سببًا للخير والبركة في الدنيا، وسببًا للنجاة من عذاب الله تعالى في الآخرة بفضل الله وكرمه.
هذا وإن حبّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بحرٌ هائج ذو أمواجٍ عاتية وحُفَرٍ عميقة، وفيه جواهر كثيرة، فنسأل الله أن نُدرك شيئًا منها وننتفع بها بإرادة الله تعالى، وكان هذا أمر صعب، لأنّه صلى الله عليه وسلم ليس إنسانًا عاديًّا، بل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الشاعر في مدحه:
أبرّ بني الـــــــدنيا وأعظم من شكر وأكرم مخلوق عـلي ســـائر البشر
به الله قد أهدي الى الناس رحمة ومنه ضياء الحق في الكون قد ظهر
تبــــــــــارك ربي إذ أعـــد محمداً وزكّـــــــــــاه بالتقوي وبالعــلم والخبر
فبات إعتقاد الحــــــق من أخلاقـه وخـــــير عباد الله، أقــــــدر من صــــبر
جـــــــهيراً بأمر الله يدعــوا مبشراً وينصــــــح من لاقــــــــــــاه بالآي والنذر
حري بإصــــلاح الفـساد و مرشداً الي سبل الخيرات في البدو والحضر
دعا الناس للتوحيد والحب والوفا وجاد بالحـــــــــــــــــــسني وأقنع بالأثر
ذُري الهمة القسعاء بعض صفاته وأقدم مقدام و أحلــــــــــــــــم من قدر
رعاه اله الكــــون خــــــير رعاية فأنبت نبتاً طـــــــــيب الأصل والثمر