الكاتب: م. فراهی توجغي
مدخل موجز إلى تاريخ وأفكار الشيوعية
(الجزء الأول)
مقدمة
الشيوعية هي أيديولوجيا شمولية ذات جذور سياسية واقتصادية، تقف في مواجهة الليبرالية الديمقراطية والرأسمالية، وتدافع بدلا من ذلك عن نظام لا طبقي تُدار فيه وسائل الإنتاج من خلال ملكية جماعية، وتُحظر أو تُقيَّد الملكية الخاصة بشدة، وإن كلمة «الشيوعية» تشير إلى طيف من الأيديولوجيات المختلفة.
والاستخدام الحديث لهذا المصطلح يرجع إلى النبيل الفرنسي «فيكتور دي هوباي» في القرن الثامن عشر، الذي كان يدعو للعيش في «كومونات» تُشارك فيها جميع الممتلكات، ويستفيد الجميع من عمل الجميع.
ارتبطت الشيوعية دومًا بأسماء معروفة مثل: الاتحاد السوفياتي، جمهورية الصين الشعبية، حزب توده الإيراني، حزبي «خلق وبرجم» في أفغانستان، والكثير من غيرها من الأسماء. ظهرت الشيوعية كأيديولوجيا اجتماعية واقتصادية وسياسية من أجل استعادة الحقوق الضائعة للعمال في المجتمعات الصناعية، وسرعان ما تحولت إلى قوة سياسية حاكمة أثرت في المعادلات السياسية العالمية.
في هذه السلسلة من المقالات، نسعى إلى تقديم تعريف مبسط للشيوعية، والتعرف على مبادئها وتاريخها، وفهمها بشكل أعمق.
ما هي الشيوعية ببساطة؟
الشيوعية (Communism) هي أيديولوجيا فلسفية وسياسية واقتصادية تقف في مواجهة الرأسمالية والليبرالية الديمقراطية، التي ظهرت في القرن الثامن عشر في ذروة الرأسمالية الصناعية، وكانت تعني حرية السوق وحرية التجارة وانتشار العلاقات الرأسمالية، والهدف الأساسي والنهائي للشيوعية هو إنشاء مجتمع شيوعي، يُلغى فيه مفهوم الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ويُقام مجتمع بلا طبقات، لا حاجة فيه للنقود أو الدولة.
الدول التي تحكمها أنظمة شيوعية غالبًا ما تكون أنظمة الحزب الواحد، ويُسيطر عليها الحزب الشيوعي، وتكون اقتصادات هذه الدول مركزية وموجهة، حيث تختفي أو تُقيَّد بشدة الأسواق الحرة والملكية الخاصة، وتُدار الأمور الاقتصادية من قبل الدولة، وتكون المؤسسات الاقتصادية الكبرى محتكرة من قبل الحكومة، كما تتخذ هذه الأنظمة غالبًا مواقف معادية للدين، معتبرة إياه أداة رجعية تُستخدم في استغلال الطبقات.
يستخدم مصطلح «الشيوعية» لتوصيف أنواع مختلفة من النظم الاجتماعية، مثل مجتمع «أسبارتا» القديم، والجماعات المسيحية الشيوعية في القرن السادس عشر، والمجتمعات المثالية مثل «جمهورية أفلاطون»، و«المدينة الفاضلة» لتوماس مور، ومجتمعات الاشتراكية المثالية التي اقترحها فورييه وروبرت أوين وغيرهم، والشيوعية الحديثة تعتمد بشكل خاص على أفكار كارل ماركس (الماركسية) ومفهوم المجتمع اللاطبقي المبني على الملكية الجماعية.
اليوم، تُستخدم مفاهيم الشيوعية والشيوعيين للإشارة إلى الأيديولوجيا والسياسات الرسمية للاتحاد السوفياتي، وجمهورية الصين الشعبية، ودول حلف وارسو، وحلفائهم، بالإضافة إلى الأحزاب والمنظمات المؤيدة لهذه الأيديولوجيا في الدول غير الشيوعية[1].
تأسيس المبادئ الأساسية للشيوعية
حين كتب الفيلسوف الألماني «كارل ماركس» بدعم من «فريدريش إنجلز» كتيبه الشهير «البيان الشيوعي»، لم يكن يتخيل أن أفكاره ستجتاح العالم، ولم يكن يعلم أن هذه الأيديولوجيا ستحول حياة الملايين في الاتحاد السوفياتي وشرق أوروبا إلى جحيم، ولم يكن يعلم أن كبار مفكري القرن العشرين سيسعون بناء عالم أكثر عدالة انطلاقًا من مبدأ المساواة في البيان الشيوعي، بحيث اعتقد الكثير من المثقفين أن الفكر الشيوعي أحد سبل إنقاذ البشرية وتحقيق عالم متساو؛ لكن الواقع جاء مغايرًا تمامًا؛ فالحكومات التي طبقت الشيوعية، مثل الاتحاد السوفياتي، والصين، كوبا، وكوريا الشمالية، لم تجلب إلا الفقر والديكتاتورية لشعوبها.
ظهر المفهوم الحديث للشيوعية أول مرة في «البيان الشيوعي» من تأليف فيلسوفين آلمانيين هما ماركس وإنجلز، حيث استخدما مصطلح الشيوعية في مقابل الرأسمالية، وحتى اليوم، ما زالت هذه الفكرة تمثل أحد الركائز الأساسية للفكر الشيوعي، ورغم أن كارل ماركس يُعتبر الأب المؤسس للفكر الشيوعي، إلا أن أفكارًا مشابهة ظهرت قبله؛ فمثلا أفلاطون في كتابه «الجمهورية» كان يرى في الملكية الخاصة سببًا للفساد، وماركس وإنجلز كانا غاضبين من الظلم الطبقي الصارخ ضد الطبقة العاملة، واعتبرا أن الفقر والمرض والموت المبكر الذي يعانيه العمال هو نتيجة مباشرة للنظام الرأسمالي.
كان هذان الفيلسوفان يعقتدان أن استبدال الرأسمالية بالشيوعية، أي تأسيس نظام ملكية عامة لوسائل الإنتاج مثل المصانع والمناجم، هو الحل لمشكلات الرأسمالية.
بحسب ماركس، فإن ما تحدده الطبقة الاجتماعية للأفراد هو العلاقة مع وسائل الإنتاج، بمعنى أن الملكية، وخاصةً ملكية وسائل إنتاج الثروة، تُحدد طبقة الفرد؛ على سبيل المثال: في النظام الإقطاعي، نشأ انقسام طبقي بين مُلاك الأراضي والعاملين لديهم؛ وبعد الثورة الصناعية، نشأ هذا الانقسام بين مُلاك المصانع وعمالها. أطلق ماركس على هاتين المجموعتين اسم البرجوازية (الرأسماليين وأصحاب الصناعة والثروة) والبروليتاريا (العمال). كان يعتقد أن تاريخ جميع المجتمعات هو في الواقع تاريخ صراع طبقي بين هاتين المجموعتين، والذي يتحول في النهاية إلى ثورة عظيمة أو ثورة اشتراكية.
كان ماركس يؤمن بأن الشيوعية لا يمكن تحقيقها إلا بعد المرور بمرحلة رأسمالية، تُحقق فيها البشرية إنجازات علمية وتكنولوجية عظيمة، لكن تُوزع الثروة بطريقة غير عادلة، بحيث تمتلك الطبقة الرأسمالية، أو البرجوازية، هذه الثروة الهائلة، بينما تتقاضى الطبقة العاملة أجورًا زهيدة مقابل ساعات العمل الطويلة والعمل الشاق، لذلك، يحقق أصحاب رؤوس الأموال أرباحًا طائلة لأنهم يدفعون أجورًا زهيدة للعمال.
أطلق ماركس على الفائض الناتج من استغلال العمال اسم«القيمة الزائدة»، وكان يرى أن الفارق بين قيمة عمل العامل وما يتقاضاه هو «معدل الاستغلال»، ومع الوقت، يزداد البورجوازيون الرأسماليون ثراءً، ويزداد العمال فقرًا، وباستغلال ثرواتهم، يسيطر الرأسماليون أيضًا على الدولة، مُشرّعين بذلك التوزيع غير العادل للثروة والسلطة.
في نظر ماركس، هذا الوضع لا يمكن أن يستمر؛ فمع تعمق الأزمة، يدرك البروليتاريا أن مصالحهم تتعارض مع مصالح البورجوازيين، ويثورون، ويؤسسون دولة اشتراكية، تُعرف بـ «ديكتاتورية البروليتاريا»، وهي مرحلة انتقالية إلى أن يُزال خطر البورجوازية، وتتحول الدولة في النهاية إلى مجتمع شيوعي لا طبقي، بلا حكومة.
رغم أن ماركس يعتبر اليوم هو الأب النظري للشيوعية، إلا أن مفكرين آخرين سبقوه أو كانوا معاصرين له، مثل «هنري دو سان سيمون»، «شارل فورييه»، و«بيير-جوزيف برودون». لكن مساهمة ماركس الكبرى كانت في تقديم إطار نظري شامل لتحليل التاريخ وفهم طبيعة الرأسمالية، أما التطبيق العملي للشيوعية، فجاء بيد قادة مثل لينين، ستالين، وماو تسي تونغ، وكان لكل منهم تأثير كبير على الفكر والممارسة الشيوعية، ومن المهم ملاحظة أن اهتمام هؤلاء القادة بالشيوعية كان نابعًا من إحساس عميق بالاغتراب تجاه النظام القائم، ورغبة في بناء عالم أفضل[2].
من التناقضات الرئيسية التي برزت مؤخرًا حول الشيوعية، هي التناقض بين النظرية والتطبيق، ورغم أن هذا التناقض يمكن فهمه إلى حد ما، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن الشيوعية ليست نظرية واحدة بل مجموعة من النظريات والتصورات المتنوعة، بعضها يتوافق مع التطبيق العملي أكثر من غيره، ويعود هذا التنوع إلى تعدد المفكرين الذين أسهموا في تطوير المفهوم، ووجود ثغرات وتناقضات داخل كتابات بعضهم، ومع ذلك، فإن هناك اتفاقًا عامًا بين المحللين يكفي لرسم صورة منطقية ومتماسكة لهذه النظرية.
يتبع…
الجزء التالي
