الكاتب: الدكتور فضل أحمد أحمدي

الاشتراكية
(الجزء الرابع)

3.فروع الاشتراكية
كما ذُكر سابقًا، شهدت الاشتراكية عبر مراحل التاريخ تقلبات وتغيرات كثيرة أدت إلى ظهور فروع وعناصر متعددة داخلها. ومن أشهر فروع الاشتراكية التي نالت شهرة واسعة ويُتحدث عنها اليوم في كل مكان، الاشتراكية الإصلاحية، والتي سنستعرضها فيما يلي:
الاشتراكية الإصلاحية
من أواخر القرن التاسع عشر، نشأت تقليد الإصلاح داخل الاشتراكية، الذي دعا إلى دمج الطبقة العاملة تدريجيًا في المجتمع الرأسمالي عن طريق تحسين ظروف العمل والأجور، وتعزيز النقابات العمالية والأحزاب السياسية العمالية. هذا الفرع من الاشتراكية أعلن عن إمكانية الانتقال السلمي، التدريجي والقانوني إلى الاشتراكية عبر قبول «الطريق البرلماني»، وكانت للاشتراكية الإصلاحية جذور أساسية: أولًا، التقليد الإنساني للأخلاق الاشتراكية الذي يعود لمفكرين مثل «روبرت أوين»، «شارل فورييه» و«ويليام موريس». وثانيًا، شكل من أشكال الماركسية المتجددة التي طرحها «إدوارد برنشتاين» لأول مرة.
بمعنى آخر، تمثل الاشتراكية الإصلاحية أو غير الماركسية تيارًا واسعًا ضمن الفكر السياسي الاشتراكي، وتعود جذورها إلى أفكار ومعتقدات «فرديناند لاسال» (۱۸۲۵-۱۸۶۴). كان لاسال في شبابه من أتباع ومؤيدي ماركس الحماسيين، لكنه فيما بعد دخل في منافسة مع ماركس ولاحقًا حظي بشعبية كبيرة بين العمال الألمان. أسس لاسال الجمعية العامة للعمال الألمان التي تحولت لاحقًا إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي للعمال والذي تأثر بالماركسيين. كان لاسال مؤيدًا للتخطيط الحكومي لتحقيق الاشتراكية، ولم يكن مهتمًا بإسقاط الدولة البرجوازية كما ماركس، بل رأى أنه يجب استخدام الحكومات القائمة لتحقيق الاشتراكية. كما أنه لم يؤمن بالمجتمع الشيوعي والطبقة الخالية المستقبلية، بل اعتبر الدولة مؤسسة دائمة وضرورية. وكان يعتقد أن تحقيق الاشتراكية ممكن من خلال إصلاح الرأسمالية وتأسيس التعاونيات وتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية.
ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أنواع متعددة من الاشتراكية غير الماركسية، منها الاشتراكية المسيحية، والاشتراكية النقابية، والاشتراكية الفابينية في إنجلترا. ولهذا السبب، خلال معظم القرن العشرين، انقسمت الحركة الاشتراكية إلى معسكرين متنافسين؛ فالساسة الثوريون الذين تبعوا لينين والبلاشفة أطلقوا على أنفسهم اسم الشيوعيين، بينما تبنى الاشتراكيون الإصلاحيون، الذين كانوا يمارسون سياسة دستورية، ما أصبح يعرف بالاشتراكية الديمقراطية. كان هذا التنافس لا يقتصر فقط على أفضل الطرق لتحقيق الاشتراكية، بل امتد أيضًا إلى جوهر أهداف الاشتراكية. فقد تخلّت الاشتراكية الديمقراطية عن المبادئ الأساسية مثل الملكية المشتركة والتخطيط الاقتصادي، وأعادت بناء الاشتراكية على أساس الرفاهية، وإعادة التوزيع، والإدارة الاقتصادية.
مع ذلك، في أواخر القرن العشرين، واجه كلا الفرعين أزمات أدت ببعضهم إلى إعلان «موت الاشتراكية» وظهور المجتمع ما بعد الاشتراكي، وكان الحدث الأبرز في هذا السياق انهيار الشيوعية مع ثورات أوروبا الشرقية في ۱۹۸۹ و۱۹۹۱. مع ذلك، استمر خطر تراجع الاشتراكية الديمقراطية عن مبادئها التقليدية، مما جعلها، حسب بعض الآراء، غير مميزة عن الاشتراكية الحديثة. بناءً عليه، مع انهيار الاتحاد السوفياتي كقطب رئيسي، خفت حماسة الاعتقاد بالاشتراكية، رغم أن الاشتراكيين الديمقراطيين لا يزالون يسعون لتطوير وتوسيع المعتقدات الاشتراكية.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version