يذكر جوهر لعل نهرو في كتابه «كشف الهند» تحوّل البوذية ومسارها التدريجي على النحو التالي: أصبحت البراهمية هي المسيطرة على البوذية؛ وكذلك أصبح السيخ من أصحاب رؤوس الأموال وأضحوا مركز جذب لمصالح مجموعة معينة، وفقدوا بشكل كامل قانون الانضباط. وفي طرق العبادة دخل السحر والأوهام، وبعد ألف سنة من الانتشار المنتظم في الهند، بدأت فترة تراجع البوذية.
يكتب (Mr Rhrs Daris) في شرح ذلك: في ظل الحب المرضي، اختفت خرافات تعاليم غوتن الأخلاقية عن الأنظار، وبرز ونما نظرية جديدة. لم يمض وقت طويل حتى حلّت مكانها أخرى، ثم كان يظهر عند كل خطوة نظرية جديدة، حتى عم الظلام الرهيب في الأجواء بسبب هذه الاختراعات الذهنية المضللة، فدُفنت دروس الأخلاق السامية والدين البسيط للمؤسس تحت أنقاض التحليلات واللاهوتيات الجديدة.
شهدت البوذية والبهاراتية تدهورًا شاملًا ودخلت فيهما الكثير من الطقوس الخرافية بحيث أصبح التمييز بينهما صعبًا. ولم يظهر في عالم البوذية الواسع وخلال فترة حكمها الطويلة أي داعٍ أو مصلح يدعو إلى البوذية الحقة ويقوم ضد الدين المنحرف والجديد، ليستعيد شباب وبساطة ونقاء العصور الماضية.
وخلاصة القول إن الديانة الهندوسية القديمة لم تستطع أن تنمو في مواجهة البوذية، حتى جاء «شنكر آشاريا» في القرن الثامن الميلادي، فرفع راية لمحاربة البوذية وإحياء الديانة الهندوسية القديمة، وتمكّن في النهاية من طرد الفكر البوذي من البلاد تقريبًا، أو يمكن القول بعبارة أخرى إن مكانة البوذية في الهند أصبحت في عداد الديانات القديمة المتدهورة، لقد سعى شنكر آشاريا بذكائه الحاد وجرأته الدينية وحيويته العملية إلى طرد البوذية، لكنه للأسف لم ينجح في هذا المجال، وربما لم يكن لديه أصلاً عزم حقيقي على إعادة الهندوسية إلى صورتها الأصلية الأولى، وغرس روح عقيدة التوحيد فيها، والعلاقة المباشرة مع خالق الكون، والقضاء على الوساطة بين الله والعبد، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الطبقية.
كما أن هاتين الديانتين الهنديتين ما زالتا إلى اليوم باقيتين بصورتهما المحرّفة، محافظتين على الطقوس الموروثة من عصور الانحطاط وعلى عبادة الأصنام. وقد كتب كاتب المقالات في الأديان والأخلاق في دائرة المعارف (V.S. Ghate)، الذي كان أستاذًا بارزًا في جامعة ألفستن في بومباي ومتخصصًا في اللغة السنسكريتية وله نظرة عميقة في الديانات والفلسفات الهندية القديمة، في السيرة الذاتية لـ )شنكر آشاريا( ما يلي: «إن الهدف الأساسي من حياته كان إحياء الفلسفة والنظام الديني الذي كان يُدرّس في “الأوبنشاد”. وقد نشر عقيدة وحدة الوجود المطلقة، وكان هدفه الرئيسي أن يبيّن أن «الأوبنشاد» و«غيتا بهاجوات» لم تقدما قانونًا محددًا، بل كان فيهما فقط تعليم وحدة الوجود الكاملة. ولم يعارض شنكر آشاريا عبادة الأصنام ولم يهاجمها، بل كان يرى أن الصنم رمز ومظهر فقط»
قام شنكر آچاريه بإضفاء الشرعية على الطقوسية (Ritualism) وذمّ الكرامات، لكنه كان يدافع عن عبادة الآلهة (الديڤات) المحبوبة عند عامة الناس. وكان يعتقد أن عبادة الأصنام في مرحلة معينة من مراحل التطور الروحي تُعدّ من الحاجات الفطرية للإنسان، ولكن عندما تصل الروح إلى مرحلة النضج والبلوغ، لا تبقى هناك حاجة إلى الصنم، ويجب حينها ترك الرموز والإشارات، وقد أجاز شنكر عبادة الأصنام، ولكن باعتبارها رمزًا لأولئك الذين لم يصلوا إلى مقام البرهمنية الذي يتحرر فيه الإنسان من الصفات والتغيّرات.
وعلى كل حال، فإن كل هذه الجهود باءت بالفشل، الجهود التي بذلها كل من «شنكر آشاريا» و«ديانند سرسوتي» و«غاندي»، والذين كان هدفهم جميعًا إحياء الديانة الهندوسية والبوذية على أسسها الصحيحة، يعني الأسس التي تتماشى مع دعوة الأنبياء الإنسانية، والفطرة السليمة، وتغيّرات الزمان. وفي نهاية المطاف، خضعت هاتان الديانتان أمام الإلحاد والمادية، وانعزلتا عن المجتمع، فلجأتا إلى المعابد ومواطن الزهد، وانحصرتا في العادات والطقوس والأشكال الظاهرة. وفي تلك الأيام، لم يكن في الهند دعوة قوية تحمل شعار العودة إلى الدين وإحياء التقاليد القديمة، أو نشر اللغة السنسكريتية التاريخية في البلاد.