الكاتب: عبیدالله النیمروزي
من هو الإمام البخاري؟
(الجزء الرابع والأخير)
ابتداء تأليف كتاب «الجامع الصحيح» وانتهاءه
قال بعض المحدثين: إن الإمام البخاري بدأ تأليف «الجامع الصحيح» سنة ۲۱۷ هـ، وأتمّه سنة ۲۳۳ هـ، أي أنه أكمله في مدة تقارب ستة عشر عاماً، وقد استنبط بعض المحدثين تاريخ البداية والنهاية من خلال القرائن التاريخية، فذكروا أن البداية كانت سنة ۲۱۷ هـ، والنهاية سنة ۲۳۳ هـ، إلا أن مدة ستة عشر سنة في التأليف فهي أمر مؤكد.
يرى كثير من العلماء، نظرًا إلى أن يحيى بن معين تُوفي سنة ۲۳۳ هـ، وعلي بن المديني سنة ۲۳۴ هـ، وأحمد بن حنبل سنة ۲۴۱ هـ، أن تأليف الكتاب قد انتهى في سنة 233 هـ؛ لأن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قد اطّلعوا على هذا الكتاب وعُرض عليهم.
بدأ الإمام البخاري تأليف كتابه في سن الثالثة والثلاثين، وأتمّه في سن التاسعة والأربعين، ثم عاش بعد ذلك ثلاثاً وثلاثين سنة، وكان خلال هذه الفترة يدرّس هذا الكتاب ويسمح لتلاميذه بالإجازة لروايته، وكان يُنقّح فيه ويزيد أو ينقص منه. فالمصنّفون قد يُصلحون كتبهم ويُضيفون إليها أو يُنقصون منها، ولذلك وُجدت نسخ مختلفة من كتاب البخاري، فعلى سبيل المثال، نسخة حماد بن شاكر تنقص عن نسخة الفربري بمئتي حديث، ونسخة إبراهيم بن معقل تنقص عنها بثلاث مئة حديث.
من ميزات وفضائل «صحيح البخاري»
قال الشيخ عبد القدوس بن همام: «سمعت من المشايخ أن الإمام البخاري رحمه الله عندما صنّف هذا الكتاب في رياض الجنة (ما بين المنبر والحجرة الشريفة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم)، كان يصلي ركعتين لكل حديث قبل كتابته.»
وقال عمر بن محمد بن بحير البجيري: «كُتب هذا الكتاب في المسجد الحرام، وكان الإمام البخاري يتطهر ويصلي ركعتين لكل حديث، ثم يكتبه».
كان الإمام البخاري يغتسل أولاً، ثم يصلي ركعتين استخارة، فإذا شرح الله صدره، كتب الحديث وأدرجه
ثم هذا الكتاب لا يقتصر على البركات الباطنية، بل له بركات ظاهرية أيضًا، فقد قال العلامة ابن حجر: إذا قُرئ «صحيح البخاري» وقت المصيبة، زالت المصيبة، وإذا قُرئ على سفينة توشك أن تغرق، نُجيت السفينة، وقد دعا الإمام البخاري لقارئ هذا الكتاب، وكان دعاؤه مستجاباً.
ونقل العلامة جمال الدين عن أستاذه جليل الدين أنه قال: قرأت «صحيح البخاري» مائة وعشرين مرة، وكل من كانت له حاجة، تُقضى ببركة هذا الكتاب.
وثابت أن الدعاء يُستجاب بعد قراءة كتابين: أحدهما القرآن العظيم، والآخر صحيح البخاري.[1].
عدد مرويات كتاب «الجامع الصحيح»
إن عدد أحاديث صحيح البخاري مع المكررات هو «سبعة آلاف ومئتان وخمس وسبعون» حديثاً، وبدون المكررات فهي «أربعة آلاف» حديث.
وقد أيّد العلامة النووي رأي أستاذه العلامة ابن الصلاح، واختار الحافظ ابن كثير في كتابه «اختصار علوم الحديث» رأي النووي وابن الصلاح.
لكن الحافظ ابن حجر وغيره من العلماء يرون أن العدد الكلي للمرويات أكثر من ذلك، وقد ذكروا أن عددها «تسعة آلاف واثنان وثمانون» حديثاً.
ويقول بعضهم: إن العلامة ابن الصلاح ذكر عدد الأحاديث المسندة فقط، بينما الحافظ ابن حجر حسب الأحاديث التي ذُكر فيها السند والتي لم يُذكر، فبلغ عددها مع حذف المعلقات والمتابعات، ومع مراعاة المكررات، «سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون» حديثاً، والمعلقات التي ذُكرت متونها أيضًا في كتاب البخاري عددها ١٣٤١ حديثاً، والمتابعات ٣٤٤، فبمجموعها مع ما ذكره ابن الصلاح يكون العدد «تسعة آلاف واثنين وثمانين» حديثاً.
وقال الحافظ ابن حجر: إن الأحاديث المرفوعة بدون تكرار هي «ألفان وخمسمائة وثلاثة عشر» حديثاً، لكن العلامة العسقلاني (تلميذ ابن حجر) ذكر أن عدد الأحاديث بعد حذف المكررات والمعلقات هو «ألفان وستمائة واثنان» حديثاً، وقد أيّد السيّد أنور شاه هذا الإحصاء الذي أورده العلامة العسقلاني. [2].
الاعتدال والاحتياط في الجرح والتعديل عند الإمام البخاري رحمه الله
اتبع الإمام في الجرح والتعديل منهجًا غير ما عليهالمحدثون، فإن أئمة الحديث والمتخصصين في هذا الفن إذا جرحوا راويًا، يقولون أحياناً: «دجال من الدجاجلة، وضّاع، وكذّاب»، ويستعملون ألفاظاً شديدة، إلا أن الإمام البخاري، فكان إذا واجه وضّاعًا أو كذابًا، يكتفي بقول: «منكر الحديث» أو يقول: «فيه نظر» أو «سقطوا عنه».
وفي موضع آخر قال: «كل من قلت فيه “منكر الحديث” فلا تحلّ الرواية عنه»، و«منكر الحديث» بمعنى وضّاع.
نُقل أن الإمام لما شعر أن أحد شيوخه كان يُدلّس ويمارس التدليس، ترك عشرة آلاف حديث كان قد حفظها عنه، وهذا يدل على مهارة الإمام واحتياطه في رواية الحديث.
الخاتمة:
نستنتج من ذلك أن كل إنسان يمكنه أن يقتدي بحياة الإمام البخاري رحمه الله في جوانب متعددة من حياته، مثل، السفر لطلب العلم، وتأثير دعاء الأم، والنجاح في الامتحانات والابتلاءات الإلهية، والاعتدال والوسطية، بل يمكن القول إنه لا توجد تربية أو تعليم يسهم في بناء شخصية المسلم إلا ونجد له نموذجاً في سلوك وسيرة الإمام البخاري رحمه الله.
