موضوع البعث من القضايا الجوهرية التي تناولها القرآن العظيم بكثرة وعمقٍ بالغ، حتى إن أكثر من ربعِ آياتِه تتناول المعاد والحياةَ بعد الموت تصريحًا أو تضمينًا، وقلَّ أن تجد سورةً لا تذكره أو تلمح إليه، بل ربما لا توجد صفحة واحدة في المصحف لا تحتوي على إشارة إلى هذا الأمر الكبير.
تنوّعت أساليب القرآن في عرض هذه الحقيقة لتغرس في قلب الإنسان معنى المصير والغاية من وجوده، ولتوقظه من غفلته الدنيوية، ولهذا نزلت غالب تلك الآيات في مكة المكرّمة في بدايات الدعوة النبوية؛ إذ كان غرضها ترسيخ أصل الإيمان بالله واليوم الآخر في نفوس الناس، فهو دعامة العقيدة الذي يقوم عليه الإسلام كله.
الرسول الأعظم ﷺ حين بدأ دعوته في مكة، اعتمد على ترغيب القلوب في الإيمان بالبعث والحساب، لأن استحضار يوم القيامة يخلّص النفوس من التعلق بالدنيا ويبعثها على الصدق والأمانة والعدل، وكان أكثر ما نزل في تلك المرحلة من الوحي يصف القيامة، وأهوالها، والجنة، والنار، ومشاهد الحشر والعرض، والعقاب، والفضيحة التي تصيب الكافرين يوم الفصل.
ورغم أن النبي ﷺ دعَا إلى هذا الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، إلا أن المشركين تلقَّوا ذلك بالاستهزاء والتكذيب، كما فعلت أمم الأنبياء من قبله، فنُسب إليه الجنون[1] واتُّهم بالكذب؛ قال تعالى في سورة سبأ: 7–8:﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجلٍ ينبئكم إذا مزقتم كل ممزقٍ إنكم لفي خلقٍ جديدٍ * أفتَرى على الله كذباً أم به جنة بلِ الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد﴾[2]
إنكار المعاد عند الكافرين
كثير من الآيات الأخرى تبيّن موقف المشركين الذين كانوا يسخرون من فكرة البعث ويعدّونها سحرًا وخيالًا، قال تعالى: ﴿وإذا رأوا آيةً يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحرٌ مبينٌ * أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون * أو آباؤُنا الأولون﴾[3]
وبعضهم كان يأتي بعظمٍ بالٍ في يدِه أمام النبي ﷺ فيفتته ويقول متعجبًا: ﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرةٍ وهو بكل خلقٍ عليم﴾[4] ومما قاله المكذّبون كذلك:﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين﴾[5]
فأنكروا حياة الآخرة وزعموا أن الحياة محصورة في الدنيا، وأن لا بعث بعد الموت ولا جزاء، فبذلك نفوا العدل الإلهي وإنصاف المظلومين.
تحذير القرآن من إنكار البعث
يعتبر الإيمان بالبعث والحساب ركناً أساسياً من أركان الإيمان، ومن جحده فقد كفر بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً﴾[6]
دلائل البعث في خلق الله
القرآن الكريم مليء بالآيات التي تقرر حقيقة الإحياء بعد الموت وتدل عليها بالحس والعقل، منها قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريبٍ من البعث فإنا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفةٍ …﴾[7]
وفي موضع آخر يقول:﴿يُخرج الحيَّ من الميت ويُخرج الميتَ من الحي ويُحيي الأرض بعد موتها وكذلك تُخرجون﴾[8]
فكما تحيا الأرض بعد أن كانت هامدة بإنزال المطر، كذلك يُبعث الناس من قبورهم يوم القيامة.