الكاتب: خالد یاغی­زهي

الزاهد الحقيقي (الجزء الأول)

الزهد في الإسلام
ما أكثر مدّعي الزهد وما أقلّ الزاهدين حقاً!
إنّ الزهد في الدنيا ليس أن تترك الدنيا وتتخلى عنها وتعتزل الناس إلى كهف مظلم أو معبد بعيد، فذلك ليس من الإسلام في شيء. ولو أن كل مسلم فعل ذلك، أو اتبع ما صوّره الغزالي في بعض صفحات «إحياء علوم الدين»، لما بقيت على وجه الأرض أمة تدعو إلى الله، وتجاهد لإعلاء كلمة الله، وتكون خير أمة أخرجت للناس، وتجدر بسيادة الأرض، وتقضي على الباطل بقوتها، وتحقق آمال البشر في العدل والخير.
لكن الزهد الحق هو ما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فمن أزهد من رسول الله؟! لقد كان الصحابة عباد الله وسادة الدنيا، وكانوا أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين.
كان من الصحابة من آثر القناعة ورضي بالقليل، فرضي عن الله بهذه الحياة، ولم يكن في قلبه طمع في الغنى، ولا حسرات على ما فاته من الدنيا، وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كذلك.
وكان من الصحابة من كان ذا مال كثير، ولكن المال كان في أيديهم لا في قلوبهم، وكان اعتمادهم على الله لا على المال، يكسبونه بتعب، وينفقونه برضا،فلا يجعلهم الفرح بالدنيا الحمقی إذا أقبلت، ولا يأسفون عليها إذا أدبرت.
هذا هو الزهد الحقيقي… فكم من غني مثل عثمان، والزبير، وعبد الرحمن، أزهد في الدنيا من كثير ممن يلبسون المرقعات الصوفية، ويكتفون بالخبز والملح، وينامون على التراب، وقلوبهم متعلقة بالدنيا، وعيونهم طامعة في أيدي الأغنياء.
إن الإسلام لا يمنع من الثروة، ولا يعتبر جمع المال حرامًا إذا أدّى صاحبه زكاته. وما نُسب إلى أبي ذر فهو من ظنه واجتهاده، وقد خالفه فيه الصحابة الآخرون الذين كانوا أعلم منه، وكان إسلامهم أسبق، ولم يأخذ أحد من الأئمة المجتهدين بقوله.
الزاهد الحقيقي:
أريد أن أحدثكم عن زاهدٍ فَهِمَ المعنى الحقيقي للزهد. كان في الظاهر يشبه أولئك الذين تعلّقت قلوبهم بالدنيا، ولكن قلبه كان مملوءًا بذكر الله دائمًا، وكان يُخفي حسناته، في حين أن كثيرًا من الزهّاد يُحبّون إظهار أعمالهم الصالحة، ويبتعد هو عن السلطة والسلاطين، بينما يتزاحم الآخرون على أبوابهم، كان شديد الحرص على اتباع سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في وقتٍ اتبع الناس البدع، وكان يحتقر نفسه، بينما غرق الناس في الكبر والعُجب.
ومع كل ذلك، لم يكن مجرد عابد، بل كان محدّثًا، فقيهًا، وعالمًا بصيرًا، لا من أولئك العُبّاد الجهلة. فإن الشيطان قد يُغري العابد الجاهل، وتتلاعب به الشياطين، أما العابد الفقيه، فإن إبليس ييأس منه وينصرف عنه.
يتبع …

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version