الكاتب: عبیدالله النیمروزی

من هو الإمام البخاري رحمه الله؟

(الجزء الاول)

الخلاصة
إن الإمام البخاري رحمه الله، هو أحد العلماء الفذّة، البارزين في بخارى وسمرقند، والذي يتسم بصفات خاصة وفريدة. ومن صفاته وميزاته التي ميزته، كانت محبته الشديدة وارتباطه الوثيق بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكذلك ذاكرته القوية والعبقرية التي ميزته أكثر. ومن ناحية أخرى، فقد كانت خدمته القيمة والثمينة، وهي جمعه لكتاب «الجامع الصحيح للبخاري»، سببًا في شهرته بين العامة والخاصة، حتى أصبح كتابه أصح الكتب بعد القرآن العظيم.
ومن نعم الله تعالى على عباده أنه مهّد لهم سبل التفكير والتأمل والبحث من خلال إرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب السماوية.
لقد بعث الإسلام في قلوب الأمم المختلفة روح الحركة والنشاط، ومنحهم الحافز للتقدم والطموح، حتى إنه في فترة زمنية قصيرة، خرج من بين عامة الناس أعظم العلماء والمحققين، الذين بقيت وتبقى جهودهم المثمرة وآثارهم العلمية خالدة في أوساط المجتمعات على مر العصور.
ثم إن سعي المسلمين وجهودهم في مختلف المجالات العلمية، التي بدأت مع بزوغ شمس الرسالة المحمدية صلى الله عليه وسلم، قد أثمرت خلال القرون الأول والثاني والثالث للهجرة، حيث خلّف المحققون المسلمون في مجالات التفسير والحديث والفقه والكلام وغيرها آثاراً نفيسة قيمة، وبهذا مهّدوا طريق الرقي والعزّة للبشرية جمعاء.
ويُعَدُّ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله من أعظم الشخصيات العلمية في تاريخ العالم، وقد نال هذه المكانة العلمية الرفيعة في ظل القرآن والسنة، ولا شك أنه أحد معجزات الإسلام التي ظهرت في الساحة العلمية والاجتماعية.
هو «أبوعبدالله محمد بن إسماعیل بن إبراهیم بن المغیرة بن بردزبه الجعفی البخاری».
وقد ذكر العلامة تاج الدين السبكي في طبقات الكبرى إسم «بردزبه» في نسب الإمام البخاري رحمه الله،وقد اتفق المؤرخون على أن نسب الإمام يمتد حتى “بَرْدِزْبَه”، وكان أجداد الإمام البخاري من بردزبة إلى الأعلى مجوسيًا وفارسي الأصل، لكن من إبراهيم إلى الأسفل فقد اعتنقوا الإسلام. لم يذكر التاريخ عن إبراهيم جد الإمام شيئا، ولم يكن الإمام جعفيًا ونسب إلى الجعفي، لأنه إبراهيم أسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي، والي بخارى، ومن هنا جاءت نسبة الإمام البخاري إلى الجعفي. وأما أبوه إسماعيل بن إبراهيم، فقد كان من المحدثين المعروفين في زمانه، وتتلمذ على يد الإمام مالك بن أنس، وسمع من حماد بن زيد، وصافح عبد الله بن المبارك بكلتا يديه. وقد ذكره ابن حبان في كتابه «الثقات» ضمن تلاميذ مالك بن أنس رحمه الله.
لقد بلغ الإمام البخاري رحمه الله هذا القدر من العلم بفضل أكله المال الطيب. ومن المعروف أن والده رحمه الله كان ثريًا، فقال عند موته: «ترکت مالاً کثیراً لیس شبهة بدرهم». وقد أُنفق هذا المال الحلال الطاهر على تعليم الإمام، فترك أثرًا طيبًا في شخصيته.
وُلد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة في ١٣ شوال سنة ١٩٤ هـ، وهذه ميزة خاصة حيث وُلد في أشهر الحج، بين رمضان وذي القعدة. عاش أقل من ٦٢ سنة بثلاثة عشر يوماً، وتوفي ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦ هـ، ودُفن بعد صلاة ظهر يوم العيد في قرية «خرتنك».
توفي إسماعيل بن إبراهيم والإمام البخاري رحمه الله لا يزال رضيعًا، فنشأ في حجر والدته، وقد تحملت له المشاق. كان الإمام البخاري رحمه الله أعمى في طفولته، فكانت والدته تلجأ إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع الكثير، فرأت ذات ليلة إبراهيم عليه السلام في المنام، فقال لها: «قد تقبّل الله دعاءك في ولدك، وردّ عليه بصره»، فلما استيقظت وجدت أن بصر الإمام قد عاد إليه. وكانت والدة الإمام البخاري امرأة عابدة زاهدة.
وقد فقد الإمام البخاري رحمه الله بصره مرة أخرى في كِبره بسبب كثرة الرحلات في الحر طلباً للعلم، حتى قال له أحدهم أن يدلك رأسه بزهر الختمية بعد أن يحلق شعره، ففعل ذلك فرُدّ إليه بصره.
رحلات الإمام البخاري رحمه الله لكسب العلم
لقد قام المحدثون برحلات طويلة لكسب الحديث، وسافر الإمام البخاري رحمه الله حين كان في السادسة عشر من عمره، مع أمه وأخيه أحمد بن إسماعيل إلي الحجاز. رجعت أمه وأخوه بعد أداء مناسك الحج إلى بخارى وبقي هو في مكة المكرمة، وأقام سنتين فيها واستفاد هذه المدة من المحدثين المعروفين الذين يخدمون علم الحديث في مكة المكرمة مثل أبي عبدالله، عبدالله بن زبیر، وعبدالله بن یزید، أبوالولید أحمد بن محمد أرزقی، وحسان بن حسّان البصری، وخالد بن یحیی، وأبوعبدالرحمن المقری، فتلقى منهم الحديث.
سافر إلى المدينة وهو إبن ثماني عشرة سنة، ونهل من المحدثين المعروفين، وألف في نفس السن كتاب «قضایا الصحابة والتابعین»، ثم رحل إلى البصرة واستفاد من علمائها، وأقام ست سنوات في الحجاز، وكان كثير السفر إلى البصرة والكوفة، وسمع بهرات من أبي الوليد الحنفي. وقد حصل علم الحديث من ١٠١٨ من شيوخ الحديث. وكان فقيرًا جدًا حتى إنه كان يتغذى من أوراق الشجر أو الحشائش أحيانًا، وأحيانًا يضطر إلى بيع ملابسه.
سافر الإمام البخاري رحمه الله بعد رحلته إلى الشام إلى مصر، حيث كان في ذلك الوقت بها عدد من كبار المحدثين مثل: يحيى بن عبد الله، وأحمد بن شعيب، وأصبغ بن فرج، وعثمان بن صالح، وعبد الله بن يوسف، وسعيد بن أبي مريم، وسعيد بن كثير وأحمد بن أشكاب (وقد روى الإمام آخر حديث جاء به في كتابه عن هذا الراوي). وقد استفاد الإمام من هؤلاء العلماء، وأكثر من رواية الأحاديث عنهم في صحيحه.
بعد مصر، توجه الإمام البخاري إلى «الجزائر»، وهناك التقى بعدد من الأساتذة والمحدثين المعروفين مثل: أحمد بن الوليد الوَرْتَنيسي الحراني، وإسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي، وعمرو بن خالد، وأحمد بن عبد المالك بن واقد الحراني، فاستفاد الإمام من هؤلاء العلماء وتعلّم الحديث منهم.
كما سافر إلى بلخ، وهناك سمع الحديث من مكي بن إبراهيم، ويحيى بن بشر، ومحمد بن أبان، ويحيى بن موسى، وقتيبة، وكان يكثر من ذكر هؤلاء المشايخ في أسانيده في كتابه «الصحيح».
سافر الإمام البخاري إلى هرات، حيث كان في ذلك الوقت يتواجد فيها المحدث الكبير أحمد بن أبي الوليد، الذي كان حنفي المذهب، وقد أخذ الإمام البخاري عنه الحديث. ثم توجه إلى نيسابور، فسمع فيها من يحيى بن يحيى، وبشر بن الحكم، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى الذهلي، وهم من كبار مشايخ الحديث في ذلك العصر.
يقول أحمد بن حنبل رحمه الله: «لم تر خراسان أفضل من الإمام البخاري». ويُروى أن الإمام مسلم، الذي كان تلميذًا للإمام البخاري، قبّل جبهته وقال: «دعني أقبّل قدميك، يا أستاذ! فأنت طبيب الحديث».
يقول الإمام البخاري رحمه الله: «منذ أن علمتُ أن الغيبة حرام، لم أغتب أحدًا». وكان يحتاط كثيرًا لكي لا يرتكب المعاصي، لأن المعصية تُضعف الحفظ، والعلم نورٌ من نور الله سبحانه وتعالى، ولا يُعطى هذا النور لعاصٍ.
كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أستاذًا للإمام البخاري رحمه الله،وكان كثير من الشيوخ يقولون: إن البخاري أفقه عندنا من غيره من الأساتذة في علم الحديث.
يتبع …

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version