ظهرت طوال تاريخ الأمة الإسلامية، فرق وطوائف متعددة، كلٌ منها يعتقد بمعتقدات غريبة وشاذة، وأحيانًا ضالة ومتحالفة مع الضلال والانحراف؛ ومن بين هذه الفرق، فرقة القاديانية (الأحمدية).
كان القرن التاسع عشر بالنسبة للمسلمين في شبه القارة الهندية فترة مليئة بالفوضى والفتن. ففي هذه الفترة، تعرضت الأمة للانحطاط السياسي، واستعمرت بريطانيا البلاد، وقامت باستخدام كل الوسائل الممكنة لضرب المسلمين. هاجمت المبادئ الأساسية للدين الإسلامي، واستدعت العلماء المسلمين للمناقشة، وفي ذات الوقت، أوجدت فرقة جديدة تُسمى «القاديانية». لذا، فإن الهدف الرئيسي من هذا البحث هو التعرف على زعيم هذه الفرقة، وبيان عوامل ودوافع ادعائه النبوة، بالإضافة إلى معتقداته هو وأتباعه.
المقدمة:
تتكون أبعاد المجتمع والأمة من أفكار ومعتقدات أفرادها؛ فإذا كانت تلك الأفكار والمعتقدات صحيحة وخالية من الانحراف، كان سلوك وأخلاق الأفراد مرضية ومقبولة؛ أما إذا دخلت أفكار منحرفة من قبل الأجانب أو الغرباء، فإن المجتمع يتعرض للفوضى والتصادم الفكري والعقدي. يبذل أعداء الإسلام جهودًا كبيرة لتضليل الشباب المسلمين وإرباك عقولهم، بهدف إبعادهم عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، لجعلهم أتباعًا بلا هدف، يتصرفون وفق أهوائهم. لذلك، من واجب العلماء غالبًا أن يعملوا ويجتهدوا لمنع نشر العقائد المنحرفة والغير إسلامية، وألا يسمحوا للأيادي الخبيثة للأجانب أن تضلل شبابنا.
في عالم اليوم، ومنذ بداية الإسلام وحتى الآن، ظهرت الكثير من الفرق. ظهرت هذه الفرق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان سبب نشوئها اختلاف الناس في خلافة النبي. حينها، تولى زمام الأمور في الأمة من كانت نزعاتهم ظاهرة الشك والريب في الإسلام، وبتوجهاتهم السياسية والشيطانية، قسمت الأمة إلى فرق متعددة، واختاروا لأهدافهم أشخاصًا كانوا إما علماء أو متعطشين للمال والنفس.
عندما وصلت هذه الفرق إلى بلاد المذاهب المختلفة، كالهند، وكونها بلدًا غنيًا بالفرق، دخلت بدع وابتداعات داخل المذهب بسبب ضعف الفكر عند المسلمين الجدد، بل أصبح بعضهم أدوات لأعداء الإسلام لأغراض مادية.
أما فرقة «القاديانية»، فهي من الفرق التي خالفت منهج الحق، وسارت بعيدًا عنه، وضلّت طريقها. على الرغم من أنها بدأت بأسماء إسلامية، إلا أن مؤسسها الحقيقي كان من أعداء الدين وأعداء خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا المقال، نهدف إلى تعريف هذه الفرقة، وبيان عوامل ودوافع وجودها، ونقدم معلومات عن مؤسسها، وأهدافها، وأغراض تأسيسها، ويجب أولًا إلقاء نظرة قصيرة على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وموضوع ختم النبوة، وتاريخ المدعين الكذبة للنبوة، ودوافع تلك الادعاءات، خاصة دوافع «غلام أحمد القادياني».
نعمة ختم النبوة للنبي صلى الله عليه وسلم
إن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بلا شك، أكبر نعمة روحية للعالمين، وقد منحت هذه النعمة الإلهية، بصفات وخصائص بارزة، رسالة وبعثة خاتم الأنبياء مقامًا أسمى وأعلى من نبوة ورسالة جميع الأنبياء عليهم السلام. إحدى أثمن خصائص بعثته صلى الله عليه وسلم هي “الخاتمية”، وصف خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم، على الرغم من أنه يثقل كاهل الأمة جميعا، وخاصة طبقة العلماء؛ لأن دعوة وهداية عامة الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح المجتمع… قد وُضعت على عاتقهم نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا السبب فضلت هذه الأمة على الأمم الماضية، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: ۱۱۰].
ولكن يجب الاعتراف بأن وصف «الخاتمية» في مواجهة جميع الهواجس الفكرية، والمناقشات الفلسفية، والوساوس الشيطانية، هو حجة دامغة وسد عظيم، وإذا أدرك وفهم كل فرد مسلم عقيدة «ختم النبوة» بشكل كامل، فلن تؤثر فيه دعوة أو هراء أي إنسان يدعي النبوة بعد ذلك؛ فإذا ادعى دجال ومخادع الرسالة كذبًا، فإن هذا الإيمان بعقيدة «الخاتمية» هو الذي لا يسمح لشخص مسلم ملتزم بخاتمية النبي صلى الله عليه وسلم أخلاقيًا وشرعيًا أن يصدق ادعائه، بل ولا أن يطالبه بمعجزة أو دليل.
بالنسبة للمسلم الملتزم، من العبث واللامعنى أن يستمع إلى أقوال مثل هذا الشخص؛ بل إنه يجيب ببساطة، بعيدًا عن المناقشات الفلسفية والمنطقية، ويمر بجانبه ويقول: أنا أؤمن بأنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يأتي نبي ولا رسول حق.
باختصار، عقيدة خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم هي قضية عقائدية وشرعية وإجماعية، وقد أوضح علماء الإسلام أدلتها بالتفصيل في المراجع والمصادر العلمية والبحثية، وسنقدم إشارة موجزة إلى بعض الأدلة فقط لتوضيح أصل القضية.
لقد وردت خاتمية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم صراحة في سورة الأحزاب، قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: ۴۰].
كذلك، ورد هذا الأصل في الأحاديث النبوية بكلمات وعبارات صريحة: «أنا خاتم النبیین لا نبي بعدي».
بالإضافة إلى ذلك، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث أن كذابين سيأتون في أمته ويدعون النبوة: عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… وأنه سیکون في أمتي کذابون ثلاثون کلهم یزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبیین لا نبي بعدي».
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي و مثل الأنبیاء کمثل رجل ابتنی داراً فأکملها وأحسنها إلا موضع اللبنة، فکان من دخلها و نظر إلیها، قال: ما أحسنها إلا موضع اللبنة فأنا موضع اللبنة فختم بي الأنبیاء».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «أما ترضی أن تکون مني بمنزلة هارون من موسی إلا أنه لا نبوة بعدي»؛
عن أبي أمامة الباهلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وان الله لم یبعث نبیاً إلا حذر أمته الدجال، وأنا أخر الأنبیاء وأنتم أخر الأمم».
عن أبي قبیلة أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قام الناس في حجة الوداع فقال: «أیها الناس، إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدکم».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا العاقب الذي لیس بعده النبي».
هنا نرى أنه من المناسب قبل أن نذكر معتقدات وأفكار وآراء «ميرزا أحمد قادياني» ورفاقه، أن تكون لدينا نبذة مختصرة عن حياة النبي الصادق والرسول الحق، وأن نألف سيرته قليلًا، حتى نعرف بأي أصل ونسب ادعى ميرزا النبوة، وأي صفة من هذه الصفات وجدت فيه حتى يقدم على مثل هذا العمل!
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم
إن سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم هي أقوى وأوثق سيرة بين سير الأنبياء السابقين أو المصلحين العظام، وقد وصلتنا بأصح الأساليب العلمية التي لا يرقى إليها الشك؛ فمثلاً، سيرة موسى عليه السلام، قام أتباعه بمزجها بأشياء من صنعهم بحيث تم تحريف السيرة بالكامل ولم يبق فيها أي اعتماد ولا يمكن معرفة سيرته الصحيحة من بين الكتابات الموجودة اليوم؛ حيث إن العديد من النقاد الغربيين وضعوا علامات استفهام على بعض الكتب المقدسة ويشككون فيما إذا كانت هذه الكتب موجودة في زمن موسى عليه السلام أم لا؟ والبعض يجزم بأن جزءًا من هذا الكتاب المقدس لم يكن موجودًا في حياته؛ بل كتب بعد وفاته بمدة طويلة. وحتى كتابها غير معروفين. كل هذا يدل على أن سيرة موسى لم يتم إعدادها من مصادر موثوقة وأن ما جاء في التوراة فيه شك وريبة؛ لذلك لا يمكن الاعتماد على سيرته إلا ما جاء في القرآن الكريم وسنة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وكذلك، إذا ألقينا نظرة سريعة على سيرة حضرة عيسى عليه السلام، سنلاحظ بوضوح أنها تعرضت للتحريف أيضًا؛ فالأناجيل التي يتداولها المسيحيون اليوم وتحظى بتأييد الكنائس، كتبت بعد مئات السنين من المسيح عليه السلام؛ حيث إن علماء النصارى أيضًا يقولون في هذا الصدد: هذه كتبت من بين مئات الأناجيل المنتخبة، ولا يوجد أي اعتماد على كتابها فيما إذا كانوا قد رووا هذه الكتابات بسند متصل أم لا؟
لذلك، عندما تكون سيرة الأنبياء السابقين على هذا النحو، فكيف ستكون سيرة مؤسسي الأديان التي ظهرت بعد عيسى وموسى عليهما السلام، مثل «القاديانية»و «الكونفوشيوسية» والفلاسفة الآخرين؟ في حين أن أتباعهم يصلون إلى المئات وأن ما ينقله أتباعهم اليوم عن حياتهم ليس له قيمة علمية؛ لأنها ليست سوى أساطير وخرافات؛ خرافات نشرها كهنتهم وكان كل فريق يأتي يزيد على أساطير الفريق السابق ولا يقبلها أي عاقل؛ إلا قلة متعصبة؛ لذلك، فإن أصح وأقوى سيرة من حيث التواتر والسند هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن جميع مراحل حياة النبي صلى الله عليه وسلم سواء قبل ولادته، أو عند زواج والده عبد الله بوالدته آمنة، أو بعد ولادته (فترة الطفولة، والمراهقة، والشباب، ومحل كسب الرزق، ورحلات ما قبل البعثة وما بعدها) واضحة كالشمس عامًا بعد عام حتى وفاته. وكذلك، فإن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تحكي سيرة إنسان كامل يشمل جميع أبعاد حياة البشر، والسبب في ذلك أنه قبل أن يكرمه الله برسالته كان في أيام شبابه إنسانًا أمينًا ومستقيمًا وعندما أصبح نبيًا بذل قصارى جهده في أمر الدعوة إلى الإسلام واستخدم أفضل طريقة ممكنة لإصلاح المجتمع. وخلاصة القول إن سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم تشمل جميع جوانب الحياة الإنسانية والاجتماعية، مما جعله قدوة لجميع الدعاة والقادة والآباء والأزواج والسياسيين وجميع رؤساء الدول… لذلك لا يمكن العثور على مثيل لها في سيرة الأنبياء السابقين ومؤسسي الأديان وفلاسفة الماضي والمستقبل.
عوامل ودوافع ادعاء النبوة
عدم الوعي الكافي بعقيدة الخاتمية والإهمال فيها
من خلال دراسة وتحليل الأحداث التاريخية، يبدو أن أكبر عامل لمثل هذه الجرأة والجريمة هو عدم الوعي والإهمال في عقيدة الخاتمية؛ فربما لا يكون لدى الشخص المدعي نفسه وعي ومعرفة كافية في مجال عقيدة خاتمية النبي صلى الله عليه وسلم ويضلل وينحرف بأشخاص بتبريراته وتأويلاته المصنوعة والشيطانية.
العمالة لأعداء الإسلام
في تاريخ حياة وسيرة معظم المدعين الكاذبين، نرى أنهم كانوا خدمًا وأدوات في يد أعداء الإسلام، وأن صنع الدين والتحزب بإثارة الخلافات المذهبية، وبشكل عام استغلال المشاعر الدينية والروحية للناس، هو أحد الأساليب القديمة للقوى الاستعمارية في العالم التي لا تزال مظاهرها تُرى في كل حدب وصوب من العالم.
التعصب العرقي والشعور القومي
هذا الشعور يجعل هؤلاء الأفراد يكتسبون مكانة في المجتمع، وتستمع إليهم مجموعة قليلة العلم وساذجة، وحتى بعض المتعلمين وذوي المعرفة، بسبب التعصب العرقي والشعور القومي، فيؤمنون بكلامهم. ويكون أكبر دليل لهم هو أن النبي الجديد من جنسهم ويتحدث بلغتهم.
إن الشعور بالتعصب العرقي قد يبعد البشر عن الحق والحقيقة ويقودهم إلى أنواع الضلال، وفي نشر ديانة «القاديانية» أيضًا، كان هذا العامل مؤثرًا من حيث أن القاديانية ديانة هندية، وكان زعيمه وداعيه من الهند نفسها ومركزه «قاديان». لذا، هذا الأمر جعل عددًا من الجماهير المسلمة والمثقفين الوطنيين يؤمنون بمعتقدات “ميرزا غلام أحمد” الباطلة ويدافعون عنه. كذلك، دافع بعض القادة والمفكرين الهنود عن ديانة القاديانية، لأن القادة والناشطين السياسيين الهندوس في شبه القارة الهندية كانوا دائمًا ما يشكون من المسلمين، لعدم وجود حس وطني وروح قومية هندية لديهم. كانوا دائمًا ينتقدون بأن المسلمين يقيمون في الهند، ولكن أعينهم لا تتجاوز جزيرة العرب (مكة والمدينة)، وهذه الفئة من الهندوس، تشكك في هذه الفكرة والارتباط العاطفي للمسلمين بأرض خارج الهند، وتعتبره مقلقًا لاتحاد وتماسك الهند والحفاظ على الهوية الوطنية والهندية. لذلك، كانوا يدعمون «القاديانية» بهذه الصفة كديانة ومذهب هندي، ويقولون صراحة أن القاديانية ليست فرقة إسلامية، بل هي دين ومذهب مستقل يشكل مجتمعًا جديدًا على أساس الثقافة الهندية.
سبب تسمية «قاديان»
سكن ميرزا هادي بیغ بالقرب من بحيرة «بياس»، وأنشأ قرية باسم «إسلام بور»، ولأنه كان متعلمًا، تم تعيينه قاضيًا للمنطقة من قبل حكومة دلهي. ومنذ ذلك الحين، اتخذت هذه القرية اسم «إسلام بور قاضي»، وتدرجياً أصبحت معروفة باسم «قاضي»، وبما أنهم في اللغة البنجابية ينطقون حرف (ض) بحرف (د)، فقد تحول هذا الاسم من (قاضي) إلى (قادي)، و(قاديان) نسبة إلى قادي.
تعريف القاديانية
الأحمدية أو القاديانية هي فرقة جديدة في المعتقدات والأحكام الإسلامية، تُنسب إلى غلام أحمد القادياني، وقاديان اسم قرية في ولاية البنجاب الهندية، وبما أن أحد المدعين الكاذبين للنبوة في القرون الأخيرة، واسمه ميرزا غلام أحمد القادياني، ولد في هذه القرية، وهي الآن مركز أنشطة أتباعه، فقد اكتسبت شهرة واسعة، ويُعرف أتباع ميرزا غلام بـ «القاديانيين»، والدين الذي كان يدعو إليه يُعرف بـ«القاديانية».
القاديانية حركة نشأت في عام ۱۹۰۰ ميلادي بخطة وتصميم من الاستعمار الإنجليزي في شبه القارة الهندية، وكان الهدف منها إبعاد المسلمين عن دينهم، وخاصة عن فريضة الجهاد، حتى لا ينتفضوا ضد المستعمرين من الأمم، مثل الإنجليز وغيرهم باسم الإسلام. وكانت المجلة الناطقة باسم هذه الحركة هي مجلة «الأديان»، التي تنشر باللغة الإنجليزية.