لقد كانت المجتمعات الإسلامية، وعلى رأسها تلك المتمسكة بالثقافة الإسلامية وتعاليمها، وبالسياسة والحكم الديني، دائمًا هدفا للهجمات الشرسة من قبل حركات وتيارات منحرفة، حيث بُذلت جهود كبيرة من قبل جهات وتيارات مختلفة لإقصاء الفكر الإسلامي الهادي من حياة الناس، واستبداله بأفكار بشرية منحرفة، وبسياسات فاشلة يغلب عليها الاستبداد والطغيان.
إن هذا النوع من الغزو الفكري والإيديولوجي جرى دائمًا بصورة ممنهجة وموجّهة، حيث سعت الأحزاب والدول اللادينية، من خلال تمويلات ضخمة، إلى ترسيخ مخططاتهم الخبيثة في المجتمعات الإسلامية.
وتعدّ حركة «العلمانية» ودعوى «فصل الدين عن السياسة»، من أخطر هذه الحركات وأكثرها شؤمًا، لما أثارت من صراعات حادة وطويلة في المجتمعات الإسلامية، خصوصًا في تلك التي خاضت تجارب الحكم الإسلامي، وهي التي أدت إلى انقسامات داخلية، وانتشار العنف، ونتائج كارثية على مختلف المستويات.
يقول الدكتور محمد عمارة، المفكر والمحلل الإسلامي: «لن أكون مبالغًا إذا قلت: إن الصراع الفكري والسياسي والقيمي بين الفكر الإسلامي والفكر العلماني، ومن خلال ذلك بين الإسلاميين والعلمانيين، أصبح محورًا أساسياً في انقسامات الحياة السياسية في العالم العربي والإسلامي، بل وحتى في العالم المعاصر بأسره؛ إذ إن الهدف الأساسي للغرب، من خلال جهوده العلنية والخفية لمحاربة الصحوة الإسلامية المعاصرة، هو تطويع الإسلام ليتوافق مع النموذج العلماني الذي يرضون به».
لقد سعى العلمانيون، من خلال ادعاء «تجريد السياسة من التعاليم الدينية والمعنوية»، أن يقللوا من أهمية شأن الدين في بناء الدولة، بل وصوروا الدين كسبب رئيسي لتخلّف المجتمعات الإسلامية، معتبرين أن الحكم الديني هو مصدر التراجع في مختلف مجالات الحياة.
لم تكتف هذه الحركة بالسعي إلى تهميش الدين في المجتمعات الإسلامية وإبعاده عن ساحة اتخاذ القرار في الحياة الاجتماعية والسياسية، بل سبق أن حققت هذا الهدف أولاً في الغرب، حيث كانت الكنيسة وتعاليمها تهيمن على الحياة لقرون طويلة، ونظرا إلى أن المجتمعات الغربية كانت مرتبطة بأديان محرّفة وتاريخ سلبي مع الكنيسة، فقد تأثرت بسرعة بهذه الفكرة، وانفصل الدين عن الدولة، وتم تهميش الكنيسة بدرجة كبيرة.
لكن الأمر يختلف تمامًا في المجتمعات الإسلامية، التي تستمد قوتها من تعاليم الإسلام الخالدة، فهذه المجتمعات لم تقبل بهذا الانفصال مطلقًا، بل سعت إلى تطبيق الإسلام بشكل أعمق في كل مجالات الحياة، وهو ما أدى إلى صراعات مستمرة بين التيار الإسلامي والتيارات العلمانية في العالم الإسلامي.
لقد لجأت العلمانية إلى استخدام مصطلحات براقة، ظاهرها يوحي بالعلم والمعرفة، لتظهر نفسها كحركة تقدمية علمية، إلا أن النظر العميق في تاريخها وتداعياتها وآثارها يكشف عن حقيقتها، ويشكك في ادعائها بالعلم والموضوعية.
لأجل هذا، كتب الدكتور يوسف القرضاوي، المفكر الراحل، ما يلي: (كلمة «العلمانية» أو «العَلمانية» سواء بكسر العين أو فتحها، هي ترجمة لمصطلحات أوروبية، وكان ينبغي أن تُترجم إلى «اللادينية»، لأنها في الأصل تعني «ما هو ليس دينيًا»، وما لا يكون دينيًا لا بد أن يكون لا دينيًا، لكن تم اختيار كلمة «علمانية» لأنها أقل إثارة لمشاعر المسلمين).
ونظرًا لأن حركة العلمانية كسائر الحركات الاستعمارية تغلغلت في المجتمعات الإسلامية وأثّرت على شرائح واسعة من المسلمين، فقد شعر المفكرون والكتّاب المسلمون بالمسؤولية في التصدي لها وكشف زيفها، فقاموا بتأليف العديد من الكتب والدراسات التي تناولت أبعاد هذه الحركة، وكشفت حقيقتها وأهدافها.
في هذا المقال، نستعرض جانبا من تلك الدراسات، ونبحث في جذور العلمانية، وتاريخها، وطبيعتها، لنصل إلى فهم شامل لهذا الفكر وتبعاته.
وسنبدأ أولًا بالتعريف اللغوي والمفهومي للعلمانية؛ لأن الفهم الدقيق لهذه الحركة، وحدود عملها، مرتبط بمعرفة جوهرها ومصدرها.
يرجى أن يكون هذا البحث سببًا في تعزيز التفكير الواعي لدى الشباب والمتعلمين، ويقدّم فهماً دقيقًا لحقيقة هذه الحركة وأهدافها وآثارها على المجتمعات الإسلامية.