الكاتب: أبو رائف
الماسونية(القسم الأول)
الملخص
يتناول هذا البحث حركةً سريةً غامضةً تُسمّى «الماسونية». وقد تمكنت هذه الحركة، التي تُعَدُّ ذراعًا قويةً لليهودية، من النفوذ إلى مختلف البلدان، ولا سيما البلدان الإسلامية، وفق تخطيط دقيق وبرامج سرية، وسعت، تحت غطاء الأعمال الإنسانية وإشاعة مشاعر الرأفة والخير، إلى مهاجمة العقائد الإسلامية وتعاليمها. وقد اتبع هذا البحث المنهج المكتبي، واعتمد الأسلوب التحليلي، وخلص إلى أن الماسونية عدوٌّ خطير وغامض للأديان، ولا سيما الإسلام الحنيف، وأن برامجها تسعى بصورة منهجية إلى السيطرة على عقائد عامة الناس وأفكارهم وأنماط حياتهم وتوجهاتهم. وقد كتب عدد من الكتّاب والباحثين عن هذه الحركة، وتناولوها من جوانب وزوايا مختلفة؛ فكان معظمهم معارضًا لها ومخالفًا لأفكارها، في حين أيدها ودافع عنها عدد قليل منهم.
الكلمات الأساسية: الماسونية، الصهيونية، الشيطان الخفي، البنّاؤون الأحرار.
الماسونية: أهدافها ومخططاتها السرية
المقدمة
ظل الدين الإسلامي الحنيف عرضةً لمختلف أشكال الغزو والهجمات من جانب الأعداء والملحدين والمنكرين؛ فتارةً كانت هذه الهجمات تُشنّ من خلال التحركات والاعتداءات العسكرية، وتارةً من خلال المؤامرات والمخططات السياسية المشؤومة، وتارةً أخرى من خلال الهجمات الفكرية والأيديولوجية. ولا شك في أن الغزو الفكري والحرب الفكرية من أهم هذه الهجمات وأشدها تدميرًا؛ لأن الأعداء يستخدمون هذه الأداة في معركتهم لبث أفكارهم وعقائدهم المسمومة والمضللة في عقول أتباع الدين الإسلامي الحنيف ونفوسهم، فيوقعونهم في الشك والارتياب بشأن الأصول الدينية الأساسية والضرورية، ثم يقودونهم في نهاية المطاف إلى الكفر والإلحاد. وحين ننظر إلى تاريخ الصراع بين الحق والباطل، نجد أن هذا الصراع ظل قائمًا على الدوام بين جبهة الحق وجبهة الباطل، وأن الباطل سعى، تحت عناوين مختلفة وبوسائل متعددة، إلى حجب نور الحق، وتشويه صورته في أعين الناس، وصرفهم عنه. وقد بيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة، فقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[1]. وتدل هذه الآية الكريمة على أن أهل الباطل والإلحاد يسعون دائمًا إلى إطفاء نور الحق والهداية، المتمثل في نور دين الإسلام المقدس المنقذ، وإلى توجيه الناس نحو الكفر واللادينية؛ غير أن الله تعالى أبطل على الدوام مقاصدهم المشؤومة ونواياهم الخبيثة، وكشف مؤامراتهم السرية الشريرة. ومن الحركات والأفكار التي تهاجم الإسلام وتعاليمه المنقذة، وتغلغلت سرًّا وخفيةً في البلدان الإسلامية، وأدت إلى نشوء تيارات وتحركات عقدية، حركةُ «الماسونية». وترتبط هذه الحركة ارتباطًا وثيقًا باليهودية والصهيونية، وهي تسعى إلى فرض سيطرتها الفكرية والعقدية على البلدان الإسلامية، وتنشط لتحقيق ذلك من خلال برامج شديدة الخفاء والسرية. ولكن، كما سبق بيانه، لما كان الوعد الإلهي قائمًا بحفظ الدين الإسلامي الحنيف بوصفه السبيل الوحيد لنجاة البشرية وهدايتها، فقد وفق الله تعالى العلماء والمفكرين المسلمين، ومنحهم القدرة على اكتشاف الجوانب المختلفة لهذه الحركة، وتأليف الكتب والمقالات المتعددة في ردّها وإبطالها، وتنبيه الأمة الإسلامية إلى أخطارها وتحذيرها منها. وقد شمّر العلماء والمفكرون المسلمون عن سواعد الجد، وخاضوا مواجهةً فكريةً وعمليةً مع هذه الحركة، ووعّوا مختلف فئات المجتمع الإسلامي، ولا سيما المتعلمين والشباب، بأخطارها. ولم تسع هذه الحركة إلى فرض هيمنتها العقدية على البلدان الإسلامية فحسب، بل تغلغلت في مختلف مجالات الحياة وجوانبها، وفرضت سيطرتها على شرائح المجتمع المختلفة ومجالات العمل المتنوعة.
وفي هذا السياق يقول الدكتور «عصام بشير العوف»، أحد الكتّاب البارزين في العالم الإسلامي، في كتابه المتعلق بالتعريف بالماسونية وانتشار أنشطتها: «ظلت الماسونية مدةً طويلةً بين الحقيقة والخيال؛ لأن أتباعها كانوا يمارسون أنشطتهم في غاية الكتمان والسرية. ثم لما شعروا بأن قوتهم قد ترسخت ونفوذهم قد اتسع، كشفوا عن بعض أفكارهم ومفاهيمهم. غير أن فضائحهم وجرائمهم غلبت على ما اكتسبوه من شهرة؛ إذ كان لهم دائمًا دور في إثارة الاضطرابات والحروب والثورات والنزاعات الداخلية والدولية في مختلف أنحاء العالم. وقد بسطوا نفوذهم على النخب الفكرية، وقادة الفكر والفن والرياضة، بل على حكام الدول الضعيفة، ولا سيما الطغاة المستبدين، وكذلك على بعض الحكام المنتخبين. كما سيطرت الماسونية على الدول الكبرى، واستحوذت على التجارة العالمية، ووسعت نفوذها من خلال احتكار تجارة النفط والأسلحة ومعظم المواد الصناعية، وهيمنت على السياسة المالية الدولية هيمنةً دقيقةً ومنظمةً؛ حتى لم يعد نقل رؤوس الأموال والثروات ممكنًا إلا وفق شروط صارمة وتحت رقابة مشددة. ونتيجةً لذلك، انتشر الفقر والأمراض المعدية والفتاكة في العالم. وفي نهاية المطاف، ظهرت حكومةٌ عالميةٌ خفيةٌ تدير جميع الأمور، بالمكر والدهاء، وفق ما تريده الماسونية الخبيثة»[2]. وكما أشرنا، فإن الماسونية إحدى الحركات اليهودية الهدامة، وتظهر وراءها يدٌ مشؤومةٌ لليهود ولأتباع فكرهم. ولهذا يقول الدكتور «صابر الطعيمة»، الكاتب المشهور في العالم الإسلامي، في كتابه المعروف المتعلق بالماسونية: «تُعَدُّ الماسونية واحدةً من أهم مخططات اليهود وعملياتهم ضد البشرية وأكثرها دهاءً؛ لأنها قامت منذ نشأتها على الدقة والتنظيم والتخطيط المحكم، واستفادت في مسيرتها من أبرز منجزات أتباعها وأفكارهم ومعتقداتهم، وهم الذين كانوا يُسمَّون «أبناء الأرملة». والمقصود بذلك أن هذا التيار اعتمد على مجموعة من الأفكار اليهودية، مثل الاعتقاد بنقاء العرق اليهودي، واصطفاء العقيدة اليهودية، وتفوّق الإنسان اليهودي في تاريخ الأديان والعقائد، وإحياء ذكر ملوك بني إسرائيل، وإضفاء صفات الأنبياء عليهم، وغير ذلك من الادعاءات والأساطير الموجودة في المعتقدات اليهودية. كما تعتمد طريقة عمل الماسونية على مجموعة من المهارات البشرية. ولا شك في أنها تمارس أحيانًا بعض الأنشطة التي تبدو خيريةً، ولا سيما عندما تدفع إلى ميدان العمل العام أشخاصًا ساذجين يبدون محبين للخير؛ فيكون هؤلاء في نظر الناس بمنزلة دواء مهدئ يؤدي إلى خداع الجماهير وتضليل الرأي العام. غير أن الخطر الكبير والشر المستطير لهذه المنظمة اليهودية، التي أطلقوا عليها اسم «الماسونية»، يكمنان في أنها تسعى، تحت غطاء محاربة العقائد المسيحية، إلى القضاء على أصول الإسلام الحقيقي ومبادئه؛ لكي تصرف المسلمين بذلك عن عقيدة توحيد الله رب العالمين.
أما البرنامج البعيد المدى الذي جمع اليوم، تحت مظلة الماسونية وبصورة مؤقتة، بين اليهود والمسيحيين وبعض المسلمين في الأنشطة الاجتماعية أو الخيرية أو الثقافية أو السياسية، فإن له في الحقيقة هدفًا خفيًّا، هو إضعاف جميع الأديان والقضاء عليها باستثناء اليهودية؛ حتى ينحصر الهجوم في نهاية المطاف على الإسلام بوجه خاص، باعتباره دين الحق والقوة الاجتماعية والاقتصادية الأصيلة التي تحول دون الأطماع اليهودية العالمية، فيُقضى عليه ويُزال من الوجود»[3]. وهذا جانب مهم من الأهداف والنوايا المشؤومة لهذه الحركة السرية الغامضة التي تغلغلت في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في البلدان الإسلامية. ومع أن هذه الحركة ظهرت رافعةً دعاوى وشعارات إصلاحية وخيرية، فإنها تسعى في الحقيقة إلى القضاء على العقيدة الإسلامية والدين، وتخطط لتحقيق هذا الهدف المهم. ونظرًا إلى الأهمية البالغة لمعرفة هذه الحركة وأهدافها، وإلى تغلغلها العميق والأساسي في المجتمعات والأمم، رأينا ضرورة إجراء بحث في هذا الموضوع، وتقديمه إلى الجيل الشاب والمتعلم بوصفه وسيلةً للتعرف إلى هذه الحركة ومعرفتها. ويُرجى أن يكتمل هذا البحث، وأن يجيب عن كثير من الأسئلة والاستفسارات المتعلقة بهذه الحركة وأهدافها الظاهرة والخفية. ويتمثل الهدف الأساسي لهذا البحث في التعريف بالحركة الماسونية والتعرّف إليها بدقة، والتعرّف إلى تاريخ نشأتها وأنواعها، وإلى مؤسسيها والداعين إليها. وقد اتُّبع في هذا البحث المنهج المكتبي التحليلي.
 
يتبع
 القسم التالي
[1] سورة الصف، الآية: 8.
[2] العوف، عصام بشير، الماسونية: خطة إرهابية عالمية أم حركة سرية صهيونية أم خزعبلات ساذجة؟ الطبعة الأولى، 1443هـ، ص 3–4، بلا مكان نشر.
[3] الطعيمة، صابر، الماسونية: ذاك العالم المجهول، الطبعة السادسة، 1413هـ، دار الجيل، بيروت، لبنان، ص 5–6.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version