
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق
البعث بعد الموت القسم الخامس والثلاثون
الإيمان بالمعاد وأثره في حياة الإنسان
أهم الآثار النافعة للإيمان بالمعاد (تتمة)
١٢- التهذيب وتزكية النفس
ومن الآثار البارزة الأخرى للاعتقاد بالمعاد تهذيب النفس وتزكيتها. فمن أيقن بيوم القيامة بذل جهده في إصلاحها والتحلّي بالصفات الحميدة، وسعى، مسترشدًا بالوحي الإلهي، إلى اكتساب الكمالات النفسية التي تتحقّق بها كرامة الإنسان. فإذا عمل كل فرد على تطهير نفسه من الرذائل، استعاد المجتمع عافيته؛ لأن صلاحه مرهون بصلاح أفراده.
قال اللَّه تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾[1]
وقد بيّن كتاب «أصول الدين ومبادئه» نتائج الإيمان بالبعث بعد الموت على النحو الآتي:
«للإيمان باليوم الآخر، ولا سيما البعث بعد الموت والحشر والنشر، آثار كثيرة على الفرد والمجتمع، من أهمها:
1- يدفع الإيمان باليوم الآخر، وما يبعثه من رغبة في ثواب ذلك اليوم، الإنسانَ إلى طاعة اللَّه تعالى والابتعاد عن المعصية والمخالفة خوفًا منه سبحانه ومن عقابه.
2- يُسلّي الإيمان باليوم الآخر الإنسانَ عمّا يصيبه من مصائب عند فقدان نِعَم الدنيا ومتاعها؛ لما يرجوه من أجر الآخرة وثوابها.
3- يُدرك الإنسان، بإيمانه باليوم الآخر، مصيره بعد الموت، فيعلم أنه سيُجازى حتمًا على أعماله؛ فإن كان قد عمل صالحًا نال ثوابًا حسنًا، وإن كان قد ارتكب سيئات عوقب عليها. ويعلم أنه سيُوقَف للحساب، ويُقتصّ للمظلومين منه، وتُردّ إليهم حقوقهم.
4- يردع الإيمان باليوم الآخر الإنسانَ عن ظلم الآخرين وانتهاك حقوقهم؛ فإذا آمن الناس به، أمِن بعضهم من بعض، وحُفظت حقوقهم.
5- يحمل الإيمان باليوم الآخر الإنسانَ على النظر إلى الدنيا باعتبارها مرحلة من مراحل الحياة، وإدراك أنها ليست الحياة كلها، وأنها ستنتهي عاجلًا أو آجلًا؛ ولذلك يجب على عباد اللَّه تعالى أن يستعدوا لذلك اليوم العظيم».[2]
وينبغي أن نعلم أن الإيمان بالبعث بعد الموت وبالجزاء على الأعمال من الدوافع الحقيقية التي تُرسِّخ توجّهَ الإنسان نحو الصالحات، حتى تغدو ممارستها عادةً راسخةً في النفس إذا تربّت عليها. ونتيجةً لذلك، تزكو النفس، فيبادر صاحبها إلى الخير من غير تكلّف، ولا يفتقر إلى من يأمره به أو يردعه بإقامة الحدود عليه، ولا يُقبِل على القبائح والمنكرات حين يخلو ويغيب عن أعين الرقباء.[3] [بل إن الذين يؤمنون بهذا اليوم يستشعرون مراقبة اللَّه تعالى لأعمالهم في كل وقت وحال، ويخشونه سبحانه].
وكما أن للإيمان بالمعاد فوائد لا تُحصى وآثارًا لا تنتهي، فإن إنكاره أو الإعراض عنه يؤدي إلى كثير من الأضرار والآفات التي تصيب المجتمع وتعرّضه للخطر. ولكي لا نواجه المصائب والمشكلات، ونأمن عقاب اللَّه تعالى، ينبغي لنا أن نذكّر بعضنا بعضًا بهذه الحقيقة، وأن نبيّن للذين ينكرون البعث بعد الموت أو يوم القيامة العواقب التي تنتظرهم إن لم يسلّموا بها.
وسنبيّن في القسم التالي أبرز النتائج السلبية الناجمة عن عدم الإيمان بيوم القيامة والبعث بعد الموت.
يتبع…
[2] السحيم، د. محمد بن عبد الله بن صالح، الإسلام أصوله ومبادئه، بلا تاريخ، ص. 85.
[3] ابن عاشور التونسي، محمد الطاهر بن محمد، التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، سنة 1984م، ج. 30، ص: 565.