الكاتب: أبو عائشة
البعث بعد الموت (القسم الحادي والعشرون)    
موقف أهل السنة والجماعة من المعاد الجسماني والروحاني (تابع)
بحث العلامة مجد المكي في كتابه «عقائد أهل السنة» مسألة المعاد، متناولًا ما إذا كان البعث جسمانيًّا أو روحانيًّا أو جامعًا بينهما، كما ناقش الرأي الذي نسبه بعضهم إلى أهل السنة، مدّعيًا أنهم يقولون بالمعاد الجسماني وحده. وفيما يأتي عرض لهذا البحث: لا يُراد بالمعاد الجسماني أن الجسد وحده هو الذي يعود في الدار الآخرة، وإنما المراد أن البعث يقع للروح والجسد معًا. وبعبارة أخرى، فإن عودة الروح أمر مسلَّم به، وإنما محل البحث هو عودة الجسد. وقد ذهب فريق من الفلاسفة المتقدمين إلى إثبات المعاد الروحاني وحده، وعدّوا الجسد بمنزلة المركب الذي تقترن به النفس الإنسانية في هذه الحياة الدنيا فحسب، فإذا مات الإنسان استغنت النفس عنه وفارقته، وانتقلت إلى عالم الأرواح. غير أن المعاد يتحقق بكلا بُعديه: الروحاني والجسماني. وفي هذا السياق، لم يشترط بعضهم إعادة الجسد السابق بعينه، بل ذهبوا إلى أن الله تعالى يجعل للروح جسدًا، ولما كانت هوية الإنسان وشخصيته متقوّمتين بروحه، عُدَّ ذلك الجسد جسدَه. أما المحققون، فيرون أن الجسد نفسه الذي استحال ترابًا وتفرقت أجزاؤه يُجمع بأمر الله تعالى، ثم يُكسى حُلّة جديدة، وتُعاد إليه الحياة. وهذه هي العقيدة المستفادة من نصوص القرآن الكريم. والدلائل القرآنية الدالة على المعاد الجسماني كثيرة إلى حدٍّ يصح معه القول جزمًا: إن الذين حصروا المعاد في الجانب الروحاني لم يتدبروا الآيات الكثيرة الواردة في شأنه حقَّ تدبر؛ وإلا، فإن دلالة آيات القرآن على جسمانية المعاد من الظهور والوضوح بحيث لا تدع مجالًا لأي شك أو تردد. والآيات الواردة في أواخر سورة يس تدل دلالة صريحة على هذه الحقيقة؛ إذ كان منشأ تعجّب ذلك الأعرابي هو التساؤل عمّن يستطيع إحياء العظم البالي الذي كان في يده.[1] فأجابه القرآن الكريم جوابًا صريحًا: «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ».[2] وكان تعجّب المشركين واعتراضهم في مسألة المعاد منصبَّيْن على هذه القضية بعينها، وهي: كيف نُكسى حُلّة الحياة مرة أخرى بعدما نصير ترابًا وتتلاشى أجزاؤنا في الأرض؟ قال تعالى: «وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ».[3] وكانوا يقولون: كيف يعدكم هذا الرجل بأنكم إذا مُتُّم وصرتم ترابًا وعظامًا أُعدتم إلى الحياة مرة أخرى؟ قال تعالى: «أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ».[4] وقد بلغ تعجّبهم من هذه المسألة مبلغًا جعلهم يعدّون الإخبار بها دليلًا على الجنون أو الافتراء على الله تعالى، قال سبحانه: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ».[5] ولهذا تتمحور الأدلة القرآنية على إمكان المعاد، في معظمها، حول المعاد الجسماني. وإضافة إلى ذلك، يؤكد القرآن مرارًا أن الناس يخرجون يوم القيامة من قبورهم،[6] ومفهوم الخروج من القبور متعلقٌ بالمعاد الجسماني. كما أن قصة إبراهيم عليه السلام، وقصة عزير عليه السلام وإحيائه بعد موته، وحادثة قتيل بني إسرائيل، تدل جميعها دلالة صريحة على المعاد الجسماني. وكذلك فإن ما أورده القرآن الكريم من أوصاف كثيرة للنعم المادية والمعنوية في الجنة يدل على أن المعاد يتحقق على المستويين الجسماني والروحاني معًا؛ وإلا لما كان للحور والقصور وألوان الأطعمة واللذات الجسمانية، مقترنةً بالنعم الروحانية، معنى. وعلى كل حال، لا يُتصوَّر ممن له أدنى إلمام بمنطق القرآن وثقافته أن ينكر المعاد الجسماني. وبعبارة أخرى، فإن إنكار المعاد الجسماني، وفقًا للمنظور القرآني، مساوٍ لإنكار أصل المعاد. وإلى جانب هذه الأدلة النقلية، ثمة شواهد عقلية أيضًا تدل على ذلك.[7] ويقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة في كتابه «العقيدة الإسلامية وأسسها»: «لقد وردت في القرآن والسنة نصوص كثيرة بالغة الصراحة وقطعية الدلالة، تدل على الحياة الثانية؛ وهي حياة روحانية وجسمانية في لحظة واحدة. ولا تترك هذه الأدلة مجالًا لأي شبهة لدى المتردد الذي ينظر ببصيرة ووعي في قطعية ثبوتها وقطعية دلالتها».[8] ويقول العلامة البغدادي رحمه الله: «المسألة الخامسة في بيان الأجسام والأرواح التي تُعاد. وقد وقع الخلاف في هذه المسألة؛ فالمسلمون واليهود والسامرة يقولون بإعادة الأجسام والأرواح، ويعتقدون أن الأجسام تُعاد بأعيانها إلى الأرواح؛ بمعنى أن كل روح تعود إلى الجسد الذي كانت فيه. أما الحلولية وأكثر النصارى فيرون أن الأجساد لا تُعاد، وأن ما يكون من ثواب أو عقاب إنما يتعلق بالروح».[9]
يتبع…
القسم السابق |القسم التالی
المصادر والمراجع
[1]. المكي، د. مجد، «مجموعة كاملة من عقائد أهل السنة»، ترجمة: فيض محمد بلوش، 1394هـ.ش، ج 2، ص 693-694.
[2]. سورة يس، الآية 79.
[3]. سورة السجدة، الآية 10.
[4]. سورة المؤمنون، الآية 35.
[5]. سورة سبأ، الآية 7.
[6]. سورة يس، الآية 51؛ وسورة القمر، الآية 7.
[7]. المكي، د. مجد، «مجموعة كاملة من عقائد أهل السنة»، ترجمة: فيض محمد بلوش، 1394هـ.ش، ج 2، ص 694-695.
[8]. الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة، «العقيدة الإسلامية وأسسها»، الطبعة الرابعة عشرة، 1430هـ/2009م، ص 561.
[9]. البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر، «أصول الدين»، تحقيق وتعليق: أحمد شمس الدين، 1423هـ/2002م، ص 260.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version