موقف أهل السنة والجماعة من المعاد الجسماني والروحاني (تابع)
يقول العلامة أكمل الدين البابرتي، شارح «وصية الإمام أبي حنيفة رحمه الله»، بعد أن أثبت المعاد الجسماني والروحاني بآيات كثيرة من القرآن الكريم: «إذا عُرف هذا، فنقول: أجمع المسلمون على أن الله تعالى يجمع الأجساد بعد موتها وتفرّق أجزائها؛ لأن ذلك ممكن عقلًا، وقد أخبر به الصادق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون حقًّا».[1]
ويقول الملا علي القاري رحمه الله في شرح «الفقه الأكبر»: «رُوي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن الروح إذا نُفخت في الجسد حُشِرا، وإلا فلا، وهذا كلام ظاهر؛ لأن المذهب المختار عند الأخيار أن الحشر يكون للمركَّب من الجسد والروح».[2]
ويقول سيد سابق رحمه الله: «تبدأ الآخرة بالبعث بعد الموت، والبعث بعد الموت هو إعادة الروح والجسد كما كانا في الدنيا، وهذه الإعادة تكون بعد العدم الكامل…».[3]
ويقول ابن كثير رحمه الله: «المراد بالبعث بعد الموت إعادة الأرواح والأجساد يوم القيامة».[4]
ويكتب العلامة السفاريني رحمه الله في كتابه «لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية»: «اعلم أن المعاد الجسماني حقٌّ ثابت وصدقٌ محقَّق، دلّ عليه النقل الصحيح، ولم يمنع منه العقل، فوجب الإيمان به والتصديق بمقتضاه؛ لثبوته في الروايات الصحيحة، وثبوته عند الجمهور بالعقل السليم. والمعاد هو أن يبعث الله تعالى الموتى من قبورهم، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد إليهم أرواحهم».[5]
والإيمان بالبعث بعد الموت على النحو الذي بيّنه الله تعالى في كتابه واجب، وهو أن الله تعالى يجمع الأجزاء البالية من الأجساد التي كانت في الدنيا، ثم ينشئها مرة أخرى في خَلْق جديد، ويعيد إليها الحياة، ومنكرو البعث الجسماني، كالفلاسفة والنصارى، كافرون.[6]
التنبيه الأول
كما سبق بيانه، يزعم بعضهم أن أكثر متكلمي أهل السنة والجماعة، ومنهم الأشاعرة والماتريدية، يقولون بالمعاد الجسماني وحده من دون الروح، وهذا فهمٌ خاطئٌ؛ إذ لا يقول بهذا الرأي عاقلٌ، بل يرى هؤلاء أنه بعد إعادة الجسد تُعاد إليه الروح أيضًا، وهي جسم لطيف سارٍ في البدن، فتتصل بالجسد مرة أخرى.
وقد نسب الإمام الرازي رحمه الله القول بالمعاد الجسماني إلى أكثر المتكلمين؛ لأنهم يقولون بجسمية النفس الإنسانية، وبيّن العلامة التفتازاني رحمه الله أن القول بالمعاد الجسماني هو قول جمهور المسلمين.
وينبغي أن يُعلم أن ما ذهب إليه جمهور المسلمين وأكثر المتكلمين من أن المعاد جسمانيٌّ لا يعني نفي المعاد الروحاني، بل لا ينبغي أن يُتصوَّر ذلك أصلًا؛ لأن إعادة الجسد من دون الروح غير ممكنة، بل الروح هي سر الحياة.[7]
وقد تُثار هنا شبهة، وهي: إذا كانوا يقولون حقًّا بالمعاد الجسماني والروحاني، فلماذا لم يصرّحوا بذلك؟ ويمكن الإجابة عن هذه الشبهة من وجوه عدة:
1- إذا دُرست أقوال علماء أهل السنة دراسة دقيقة، وجدنا أن أكثرها ينص على إعادة الأرواح إلى الأجساد، وهذا في ذاته تصريح واضح بأن الأجساد ليست وحدها، بل تكون الأرواح معها أيضًا.
2- تدل آيات كثيرة على أن الأجساد تُبعث من قبورها، ولا يكون الجسد حينئذٍ بلا روح، كما أن الروح تشترك مع الجسد في الثواب والعقاب.
اعتُرض على قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: «ونُقِرُّ بأن الله تعالى يحيي هذه النفوس بعد الموت، ويبعثها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للعقاب والثواب وأداء الحقوق»،[8] واستدلاله بقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾،[9] ومعناه: «وأن الله يبعث الذين في القبور»، بأن هذا الكلام لا يتضمن ذكرًا للمعاد الجسماني، وإنما ورد فيه أن الله تعالى يحيي هذه النفوس بعد الموت.
وأجاب العلامة البابرتي في شرح وصية الإمام أبي حنيفة رحمه الله عن هذا الاعتراض بقوله: «المراد بكلام الإمام هو البدن؛ لأن استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يبيّن أن مراده البدن؛ إذ لا يخفى على أحد أن الأبدان هي الموجودة في القبور. ويُحتمل أن يكون سبب اختياره هذه الألفاظ الردَّ على قول الذين ينفون المعاد الجسماني والروحاني، فيكون قد أشار بعبارة: «هذه النفوس» إلى حشر الأرواح، وأشار بالدليل إلى حشر الأجساد».[10]
التنبيه الثاني
إذا أثبتنا المعاد الجسماني والروحاني، فقد تُثار بعض الشبهات التي ينبغي الإجابة عنها، وسنحاول في الأقسام الآتية ـ إن شاء الله ـ ذكر هذه الشبهات والإجابة عن كلٍّ منها.
[7]. الحوفي، فتحي عبد الرحمن محمد عطية، «المعاد الجسماني بين المثبتين والمنكرين من فلاسفة المسلمين»، منشور في مجلة الجامعة الأسمرية: العلوم الشرعية والإنسانية، المجلد 34، العدد 3، 2021م، ص 749.
[8]. الخميس، محمد بن عبد الرحمن، «أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله»، بلا تاريخ، ص 506.