الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت القسم الثالث والعشرون
المقدمة
من الأساليب التي لم يزل خصومُ الإسلام وأعداؤه يستخدمونها لإضعاف إيمان المسلمين بالبعث بعد الموت، إثارةُ الشبهات المختلفة، وإلقاءُ الاعتراضات التي اختلقتها أذهانهم.
وقد حرص العلماء الكرام والباحثون الأفاضل على ألا يَدَعوا الشبهات المثارة حول هذه المسألة بلا جواب، بل سعوا إلى الرد على كلٍّ منها بالأدلة النقلية والعقلية.
ولكن لما كان بعض الناس يثيرون هذه الشبهات آونةً بعد أخرى ويجتهدون في نشرها؛ فإننا نحاول في هذه المقالة أن نناقش الشبهات التي تُثار بعد إثبات المعاد الجسماني والروحاني، وأن نقدّم لكلٍّ منها جوابًا دقيقًا.
الشبهة الأولى: شبهة تحلُّل الأجساد
أثار منكرو البعث بعد الموت شبهةً واهيةً جدًّا، وهي شبهة تحلُّل الأجساد واختلاط أجزائها؛ لأن الإنسان ـ في زعمهم ـ إذا مات انتهى أمره، وإذا مات وفني جسده، استبعدوا إعادته إلى الحياة.
وقد حكى الله تعالى في القرآن الكريم هذه الشبهة مرارًا على ألسنة المنكرين، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾[1].
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.[2]
ولا بد من العلم بأنهم قد ضمّنوا كلامهم استفهامين:
أحدهما عن صيرورتهم عظامًا ورفاتًا، وهو أمر يقرّون بوقوعه؛
والثاني استفهام إنكاري، يستبعدون فيه إعادتهم إلى الحياة على الهيئة التي كانوا عليها قبل الموت.
وهدفهم بهذا القول: إذا صرنا عظامًا باليةً وذرات متناثرةً، واختلطت أجزاء أجسادنا بالتراب، فهل نُخلق كما كنا قبل الموت؟
الجواب عن الشبهة
لا بد من العلم بأن قدرة الله تعالى شاملة لكل شيء، وأن إعادة الإنسان بعد تفرّق أجزائه واختلاط بعضها ببعض يسيرة عليه. وعلى هذا، فإن اختلاط أجزاء الأجساد لا يحول دون أن يعيد الله تعالى كل جزء إلى موضعه. ومن قدر على خلق الإنسان أول مرة من غير مثال سابق، فلا تعجزه إعادته بعد موته[3]
وقد أجاب القرآن الكريم عن هذه الشبهة جوابًا منطقيًّا أعجز المنكرين عن الرد، فلا يسع العقل أمامه إلا التسليم والإذعان. فقد أمر الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: كونوا ـ إن استطعتم ـ حجارةً أو حديدًا أو أيَّ مخلوق آخر يظنون أن الله تعالى غير قادر على إحيائهم؛ لأن العظام كانت ذات يوم حيةً، وإعادة الحياة إليها أمرٌ يسير، أما الحجارة والحديد فمن الجمادات التي لم تكن فيها حياة قط[4]
وهنا يُطرح على هؤلاء السؤال الآتي: هل يقدرون على فعل ذلك؟ ومن المسلَّم به أنهم عاجزون أمام قدرة رب العالمين، فلا يستطيعون أن يستأخروا عن آجالهم أو يستقدموا عليها، فكيف يستطيعون أن يصيروا خلقًا آخر يظنون أن الله تعالى يعجز عن إنشائه وإعادته؟ وقد بيّن الله تعالى هذا الأمر أبلغ بيان في كلامه المعجز، فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾[5]
يتبع
القسم السابق | القسم التالي
[1]  سورة السجدة، الآية: 10.
[2]  سورة الإسراء، الآية: 49.
[3]  المقدّم، جيهان نور الدين محمد، «المعاد بين المثبتين والمنكرين: دراسة تحليلية نقدية»، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، المجلد السابع والثلاثون، العدد الثاني، 2019م، ص 64.
[4] المطعني، د. عبد العظيم، «سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله والعلاقات الإنسانية منهاجًا وسيرةً»، 1414هـ/1993م، ص 43 – 44.
[5] سورة الإسراء، الآيتان: 50 – 51.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version