الكاتب: أبو عائشة
البعث بعد الموت(القسم الثامن عشر)
البعث بعد الموت وأشهر الفِرَق المنكرة له
ولكي نعلم على نحوٍ أفضل مَن الذين يُنكرون البعث بعد الموت، وما أهمُّ هذه الفِرَق، ومن أين أخذوا هذه المعتقدات، نذكر فيما يأتي أشهر هذه الجماعات:
أجمع المسلمون وأهل الكتاب والبراهمة على جواز إعادة الخلق بعد الفناء على وجه الإجمال، وإن اختلفوا في كيفيتها، وقد خالفت بعضُ الفِرَق هذا الاعتقاد، وهي:
  1. 1. فرقة الدهرية، وهم الذين يُنكرون حدوث العالم.
  2. 2. طائفة من الفلاسفة يُقرُّون بحدوث العالم، لكنهم يُنكرون البعث بعد الفناء والموت.
  3. 3. جماعة من عبدة الأوثان الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم، مع إقرارهم بحدوث العالم، كانوا يُنكرون البعث بعد الموت والقيامة والجنة والنار.
  4. 4. طائفة من غلاة الروافض، وهم المنصورية والجناحية، أنكروا القيامة [والجنة والنار]، وأسقطوا الفرائض.[1]
 يقول حافظ الحكمي رحمه الله في كتابه معارج القبول عن منكِري المعاد:
منكِرو البعث على أربعة أنواع:
النوع الأول: قومٌ جحدوا المبدأ والبعث، وزعموا أن هذا الكون كلَّه يسير بطبيعته، ويوجد بنفسه، ويفنى بنفسه، وأنه لا ربَّ يتصرف في هذا الكون الفسيح، وإنما الناس يتعاقبون في الوجود، ثم تبتلعهم الأرض في نهاية المطاف. وهؤلاء هم جمهور فلاسفة الدهرية والطبيعيين.
النوع الثاني: طائفةٌ من الدهرية، ويُقال لهم أيضًا: الدورية. وهؤلاء يُنكرون الخالق كذلك، ويعتقدون أن كلَّ شيءٍ يعود إلى حالته الأولى كلَّ ستةٍ وثلاثين ألفَ سنةٍ، ويزعمون أن ذلك قد وقع مرارًا وتكرارًا إلى غير نهاية. وقد عارضوا المعقول عنادًا واستكبارًا، وكذَّبوا المنقول.
النوع الثالث من الدهرية: هم مشركو العرب ومن وافقهم في معتقدهم. وهؤلاء يُقرُّون بابتداء الخلق، ويعتقدون أن الله تعالى هو ربُّهم وخالقهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[2]. ومع ذلك، كانوا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾.[3]
فهذه الطائفة أقرت بابتداء الخلق وبالخالق، ولكنها أنكرت البعث بعد الموت والمعاد.
النوع الرابع: هم الملاحدة الجهمية ومن وافقهم. وهؤلاء يثبتون معادًا ليس هو المعاد الذي أخبر به القرآن، ولا الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى، بل يزعمون أن هذا العالم يفنى بالكلية، وأن ما يقع بعد ذلك ليس هو المعاد، وإنما هو عالمٌ آخر غيره.
وعلى هذا، فإن الأرض التي أخبر الله عنها بأنها تُحدِّث أخبارها، وتُخبر بما عُمِل عليها من خير وشر، ليست هي هذه الأرض، والأجساد التي تُعذَّب وتُعاقَب وتشهد على أصحابها بما اقترفوه من الذنوب والمعاصي ليست هي الأجساد التي أُعيدت، والأبدان التي تنال النعيم والثواب في الجنة ليست هي الأبدان التي أطاعت الله تعالى، كما أنها ليست هي التي انتقلت من حال إلى حال، وإنما هي أشياء جديدة أُوجدت من جديد. فهؤلاء أنكروا إعادة الأجساد، وزعموا أن المعاد إنما هو ابتداءُ خلقٍ آخر.[4]
وقال الإمام الراغب الأصفهاني رحمه الله: لم يُنكر المعاد والنشأة الآخرة إلا الطبيعيون، فقد عطَّلوا أفكارهم، وأهملوا اعتباراتهم، وصرفهم حبُّ متاع الدنيا المزيَّن عن التفكر في مبدئهم ونشأتهم.[5]
وقال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.[6]
يتبع
القسم السابق|القسم التالي
المراجع والمصادر
 
[1] البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين، التحقيق والتعليق: أحمد شمس الدين، ۱۴۲۳هـ.ق/۲۰۰۲م، ص ۲۵۷-۲۵۸.
[2] سورة الزخرف، الآية: ۸۷.
[3] سورة الدخان، الآية: ۳۵.
[4] الحكمي، حافظ بن أحمد، معارج القبول بشرح سُلَّم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، ج ۲، ص ۱۱۹-۱۲۰.
[5] العواجي، د. غالب بن علي، الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، ۱۴۲۱هـ.ق/۲۰۰۰م، ج ۱، ص ۱۰۱.
[6] سورة آل عمران، الآية: ۱۴.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version