الكاتب: أبو عائشة
 
البعث بعد الموت (القسم السابع عشر)
أشهر الفرق المنكرة للبعث بعد الموت
لكي نتعرّف بصورة أفضل إلى مَن ينكرون البعث بعد الموت، وما أبرز هذه الفرق، ومن أين أخذوا هذه المعتقدات، نعرّف فيما يأتي بأشهرها: «أجمع المسلمون وأهل الكتاب والبراهمة على إعادة الخلق وجوازها بعد الفناء إجمالًا، وإن اختلفوا في تفاصيلها، وقد خالفت هذا الرأي بعض الفرق، وهي:
  1. فرقة الدهرية التي تنكر حدوث العالم؛
  2. طائفة من الفلاسفة الذين يعترفون بحدوث العالم، لكنهم ينكرون البعث بعد الفناء والموت؛
  3. طائفة من عبدة الأصنام الذين كانوا يعيشون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء، وإن كانوا معترفين بحدوث العالم، فقد أنكروا البعث بعد الموت والقيامة والجنة والنار؛
  4. طائفة من غلاة الروافض، وهم المنصورية والجناحية، أنكروا القيامة [والجنة والنار] وأسقطوا الفرائض».[1]
ويكتب الحافظ الحكمي رحمه الله في كتاب «معارج القبول» عن منكري المعاد:
«منكرو المعاد أربعة أصناف: صنفٌ ينكر المبدأ والمعاد، ويزعم أن العالم كله يتحرك بطبيعته، ويوجد من تلقاء نفسه، ويفنى من تلقاء نفسه، وليس ثمة ربٌّ يتصرف في هذا العالم الواسع، بل إن الناس يتعاقبون في الوجود واحدًا بعد آخر، وفي نهاية المطاف تبتلعهم الأرض جميعًا. وهؤلاء هم جمهور الفلاسفة الدهريين والطبيعيين؛ والصنف الثاني من الدهرية: فرقة يُقال لها الدورية أيضًا. وهذه الفرقة تنكر الخالق كذلك، وتعتقد أن كل شيء يعود في كل ستة وثلاثين ألف سنة إلى حالته السابقة، وتدّعي أن ذلك قد وقع مرارًا وتكرارًا إلى غير نهاية. وقد واجه هؤلاء المعقولَ بالعناد والاستكبار، وكذّبوا المنقول؛ والصنف الثالث من الدهرية: مشركو العرب ومَن وافقهم في معتقداتهم. وهؤلاء يعترفون ببدء الخلق، ويعتقدون أن الله تعالى ربهم وخالقهم. يقول القرآن الكريم في هذا الشأن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[2]. ومع ذلك يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾[3]. فهؤلاء أقروا ببدء الخلق وبمُوجِده، لكنهم أنكروا البعث بعد الموت والمعاد؛ والصنف الرابع: الملاحدة الجهمية ومَن وافقهم. وهؤلاء يؤمنون بمعاد ليس في القرآن، ولم تخبر به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى، بل يزعمون أن هذا العالم يفنى بأسره، وليس ذلك هو المعاد، بل هو عالم آخر غير المعاد. وبناءً على ذلك، فالأرض التي تخبر أخبارها، وتخبر بما وقع عليها من خير وشر، ليست هذه الأرض. والأجساد التي تُعذَّب وتُعاقَب، وتشهد على الذين ارتكبوا بها الذنوب والمعاصي، ليست هي الأجساد التي أُعيدت. والأبدان التي تنال النعيم والثواب في الجنة ليست هي التي قامت بالطاعات، كما أنها ليست هي التي تتحول من حال إلى حال، بل هي أشياء جديدة أُنشئت من جديد. فهؤلاء أنكروا عودة الأبدان، وزعموا أن المعاد ابتداءٌ آخر».[4] ويقول الإمام الراغب الأصفهاني رحمه الله: «لم ينكر المعاد ونشأة الآخرة أحد غير الطبيعيين. وقد عطّل هؤلاء أفكارهم، وأغفلوا تقديراتهم، وصدّهم عن التفكر في إيجادهم ونشأتهم حبُّ متاع الدنيا المزيَّن».[5] ويقول الله تعالى في هذا الشأن: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾[6].
يتبع…
القسم السابق| القسم التالي
المراجع والمصادر
[1]. البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين، تحقيق وتعليق: أحمد شمس الدين، سنة 1423هـ/2002م، ص 257–258.
[2]. سورة الزخرف، الآية 87.
[3]. سورة الدخان، الآية 35.
[4]. الحكمي، حافظ بن أحمد، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، ج 2، ص 119–120.
[5]. العواجي، د. غالب بن علي، الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، سنة 1421هـ/2000م، ج 1، ص 101.
[6]. سورة آل عمران، الآية 14.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version