الكاتب: أبو عائشة
البعث بعد الموت(القسم الخامس عشر)
عواملُ إنكارِ البعثِ بعد الموت
5- المذاهبُ المادية:
لقد تطوَّرت المذاهبُ المادية، وظهرت في المجتمع مللٌ ونِحَلٌ مختلفةٌ للملحدين والمنكرين، يزعم أصحابها أنهم من العلماء، وأنه لا يوجد في المجتمع من هو أعلم منهم. والحقيقة أنهم لا يملكون نصيبًا من العلم، بل قلوبهم خالية من نور العلم، وهم أعداءٌ للإسلام والمسلمين. كما ينكرون الأدلة القاطعة المثبتة للمعاد والبعث بعد الموت، مع أن تقدُّم العلوم الحديثة يكشف يومًا بعد يوم شواهد جديدة تؤيد إمكان البعث وتؤكد حقيقة المعاد[1]. يقول الله تعالى في هذا الشأن: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[2].
6- نسبةُ التأثير إلى الطبيعة:
لقد ظهر في مختلف العصور عددٌ كبيرٌ من الطبيعيين الذين ينسبون الحوادث إلى الطبيعة، أو يعتقدون أن كل ما يقع في الكون إنما هو نتيجةٌ لتأثير الطبيعة. ويرى هؤلاء أن كل حادثة أو تغيُّر يحدث في هذا العالم إنما يقع بسبب تأثير الطبيعة وحدها.كما يعتقدون أن هذا النظام الكوني ليس نظامًا حادثًا ينتهي بانتهاء أجله، بل هو نظامٌ قائمٌ بذاته لا نهاية له. وبناءً على هذا الاعتقاد، فإنهم ينكرون البعث بعد الموت والنشر والحشر، كما ينكرون الحساب والجزاء على الأعمال التي ارتكبها الإنسان في حياته[3].
7- الغرق في الغفلة والتهاون:
يُعدُّ الغرقُ في الغفلة والتهاون من أهم أسباب إنكار البعث بعد الموت؛ إذ ينشغل الناس بأمور حقيرة، ويولونها اهتمامًا بالغًا، ويجعلونها من أهم أولوياتهم وآمالهم الأساسية في الحياة، ويقدِّمونها على سائر الأمور، حتى تظل ماثلةً أمام أعينهم، وحاضرةً في أفكارهم، ومحورًا تدور عليه حياتهم، مع أن ظاهر الحياة الدنيا محدودٌ زائلٌ، وإن ظهر للإنسان واسعًا مستوعبًا لجميع جهوده. ولا شك أن الغفلة عن الآخرة تُغيِّر جميع المعادلات الإنسانية، فلا يستطيع الإنسان أن يفكر فيها تفكيرًا صحيحًا: لِمَ خُلق؟ وماذا يفعل؟ وإلى أين يرجع؟[4]
8- العامل السياسي:
يُعدُّ العاملُ السياسيُّ من الأسباب التي تدفع الناس إلى إنكار البعث بعد الموت. والمقصود بهذا العامل حبُّ الزعامة، والحفاظ على القدرة، والسيطرة على الآخرين، واستصغار الذين لا يملكون قوةً ولا قدرةً، حتى تبقى القيادة دائمًا في أيدي هؤلاء الأقوياء، وتظل مكانتهم محفوظةً في المجتمع؛ لأنهم يعلمون أن الإيمان، ولا سيما الإيمان بالبعث بعد الموت، يجعلهم متساوين مع العبيد وعامة الناس، فلا يستطيعون أن يقدِّموا أنفسهم للناس على أنهم آلهة[5].
9- العناد والخفة:
يُعدُّ العنادُ والخفةُ من الأسباب التي تنتهي بالإنسان إلى تجاوز حدِّه؛ فيطالب بأمور خارجة عن قدرة البشر، أو بأمور لا صلة لها بواقع الحال، كالأكل أو شرب الماء أو لبس الثياب، أو يجري قياسًا يبدو في الظاهر مستحيلًا أو فاسدًا. وينشأ ذلك إما عن الجهل بالحقائق، أو قلة الإدراك والبصيرة في الموضوع، أو عدم الالتفات إلى عواقب الأمور، أو الاغترار بمتاع الدنيا الفاني[6].
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾[7].
10- الكفر والشرك:
يُعدُّ الكفرُ والشركُ من أهم أسباب إنكار البعث بعد الموت. وهنا ينبغي أن نعلم الفرق بين المؤمن والكافر؛ فالمؤمن هو الذي يؤمن بالله واليوم الآخر والبعث بعد الموت، أما الكافر فلا يؤمن ببعث المخلوقات بعد الموت، ولا يعتقد به[8].
والحاصل أن الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر لا يقبلون البعث بعد الموت، ولا يؤمنون به.
11- الميل إلى الشهوات والانغماس في اللذات:
يدفع الميلُ إلى الشهوات والانغماسُ في اللذات التي يشقُّ على الإنسان تركها إلى إنكار البعث بعد الموت؛ لأن الذين غرقوا في الشهوات واللذات يعلمون أنهم إذا آمنوا بالبعث بعد الموت، كان ذلك حاجزًا بينهم وبين جميع المنكرات التي ألفوها، ورسخت محبتها في قلوبهم[9].
إن الذين ينكرون البعث بعد الموت هم الذين تعلقت قلوبهم بالحياة الدنيا، وغرقوا في شهواتها ولذاتها، ولا يريدون بحال أن يفقدوا هذه الفرصة. فقد أصبح الربا والزنا والخمر والمخدرات والتبرج والموسيقى والفواحش والمنكرات وكل ما حرمه الله تعالى جزءًا من حياتهم ولذاتهم. وهؤلاء يخشون أنهم إذا آمنوا بالآخرة والبعث بعد الموت والحساب، حِيل بينهم وبين تلك اللذات والمنكرات؛ ولذلك يفضِّلون ألّا يفقدوا ما يشغلهم في هذه الحياة القصيرة، وأن ينكروا ما لا يرونه ولا يؤمنون به[10].
إنَّ الأسباب والعوامل التي دفعت منكري البعث بعد الموت إلى تبنِّي هذه الآراء أوسعُ وأكثرُ مما ذُكر آنفًا، وقد اقتصرنا هنا على بيان بعض أهم العوامل التي حملت منكري المعاد، الذين يعتقدون أنه لا وجود للآخرة، على اتخاذ هذا الموقف.
وقد تكون الدوافع المادية والعوامل الاقتصادية سببًا في ذلك أحيانًا؛ لأن الذين يتعاملون بالمحرمات، كالاتجار بالخمر أو الربا ونحو ذلك، يضطرون، إذا دخلوا في الإسلام وآمنوا باليوم الآخر والبعث بعد الموت، إلى ترك هذه الأعمال. وبتركهم تلك التجارة والمعاملات يتعرضون للخسارة والنقصان والضرر؛ ولذلك يفضِّلون البقاء على موقفهم حتى لا تضيع تجارتهم وأرباحهم[11].
يتبع…
القسم السابق |القسم التالي
المصادر والمراجع:
[1]. الرمضان، منظور بن محمد بن محمد، منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت، بلا تاريخ، ص 12-13.
[2]. سورة فصلت، الآية: 53.
[3]. الرمضان، منظور بن محمد بن محمد، منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت، بلا تاريخ، ص 13-14.
[4]. المرجع السابق، ص 16.
[5]. العواجي، د. غالب بن علي، الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، سنة 1421هـ/2000م، ج 1، ص 135-136.
[6]. الرمضان، منظور بن محمد بن محمد، منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت، بلا تاريخ، ص 17.
[7]. سورة الفرقان، الآية: 7.
[8]. الصوفي، ماهر أحمد، موسوعة البعث والنشور، تقديم: كوكبة من العلماء، سنة 1431هـ/2010م، ص 90.
[9]. العواجي، د. غالب بن علي، الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، سنة 1421هـ/2000م، ج 1، ص 135.
[10]. الصوفي، ماهر أحمد، موسوعة البعث والنشور، تقديم: كوكبة من العلماء، سنة 1431هـ/2010م، ص 90.
[11]. المختصر من كتاب: العواجي، د. غالب بن علي، الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، سنة 1421هـ/2000م، ج 1، ص 135.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version