الكاتب: أبو عائشة
البعث بعد الموت(القسم الرابع عشر)
 برهانُ الحركةِ والتغيُّر
إنَّ هذا العالمَ عالمُ حركةٍ وتغيُّر، والمقاصدُ الثابتةُ والدائمةُ لا يمكن أن تتحقق فيه؛ لملازمة الحركة والتغيُّر له؛ ولذلك فلا بدَّ أن تتحقق مقاصدُ الإنسان في عالمٍ غير هذا العالم، وإلا لكان خلقُ الدنيا والإنسان عبثًا ولغوًا، مع أنَّ القرآن الكريم يصرِّح بأنَّ هذا العالم لم يُخلق عبثًا ولا باطلًا[1]. قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾[2].
عواملُ إنكارِ البعثِ بعدَ الموتِ:
1. إذا أردنا أن نعرفَ أهمَّ سببٍ لإنكار البعث بعد الموت، ولماذا يُنكر بعضُ الناسِ المعاد، فعلينا أن نعلم أنَّ هؤلاء لم يعرفوا الله تعالى حقَّ معرفته، ولم يُدركوا عظمتَه كما ينبغي، فهم يجهلون حقيقةَ أنه سبحانه خالقُ السماوات والأرض، ولم يستوعبوا ما تدلُّ عليه عظمةُ السماوات والأرض من كمالِ قدرته سبحانه وعظيم سلطانه، كما لم يدركوا مدى قدرة الله تعالى على إيجادِهم وإحيائهم وخلقهم، ولجهلهم بربهم وعظيم قدرته وسعة علمه وواسع ملكه، لا يصدقون إلا بما تُدركه أبصارهم، ويُنكرون ما غاب عن حواسهم. ومع ذلك، فقد أقام الله تعالى لهؤلاء من الأدلة والبراهين ما يزيل شكَّهم ويُبطل إنكارهم[3].
2. ومن العوامل التي تؤدي إلى إنكار البعث بعد الموت الكِبرُ والغُرور.
وهذه الصفةُ من أشنعِ صفات النفس وأذمِّ الأخلاق؛ إذ تُعمي الإنسان عن قبول الحق، وتَصُدُّه عن إدراك الحقيقة، فتجعله مُعجبًا بنفسه، معرضًا عن الهدى، جاحدًا لله تعالى ولنِعَمه الكثيرة. ولذلك حرَّم الإسلام هذه الصفة تحريمًا شديدًا؛ لأنها سببٌ لهلاك الإنسان وخسرانه في الدنيا والآخرة، وهي من أعظم العوائق التي تحول دون بلوغ الكمال وطلب الحقائق واتباع البراهين الواضحة، كما أنها حجابٌ يمنع الإنسان من الوصول إلى الهداية والنجاح، ويجلب عليه سخط الله تعالى وغضبه. وكم من نعمةٍ انقلبت بسبب الكِبر إلى نقمة، وكم من عزٍّ وكرامةٍ وقوةٍ تحوَّلت به إلى ذلٍّ ومهانةٍ وهوان[4].
قال الله تعالى في شأن المتكبرين: ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾[5]. ويقول سبحانه في مقامٍ آخر: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[6].
3. ومن الأسباب الأخرى المؤدية إلى إنكار البعث بعد الموت النفاقُ والازدواجية؛ فالمنافق قد تتبيَّن له الحقيقة في كثير من الأوقات، بحكم مخالطته للمسلمين، وسماعه كلامهم، ومشاهدته من أحوالهم ما يدعوه إلى التصديق، ومع ذلك يُصرُّ على التكذيب والإنكار. ولهذا كانت عقوبته أشدَّ من عقوبة الكافر الجاهل الذي لم تبلغه الحقائق على وجهها. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ۝ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾[7]. وفي عصرنا الحاضر كثرت مظاهرُ النفاق وتعددت صوره، وعظم خطر المنافقين على الإسلام والمسلمين. فما نشاهده من أقوالهم وأفعالهم، ومن إلصاقهم التهم والأوصاف الباطلة بالإسلام وأهله، أو تجسسهم لإضعافه والقضاء عليه، إنما هو من وسائلهم للتشويش على الناس، وصرفهم عن إدراك حقيقة البعث بعد الموت، وإثارة الشبهات حوله[8].
4. ومن العوامل التي تؤدي إلى إنكار البعث بعد الموت الجهلُ والتقليدُ الأعمى من غير بصيرةٍ ولا علمٍ ولا تحقيق. فمع انتشار العلم، وتعددِ وسائله، وسهولةِ الوصول إليه، وقيام الأدلة الدالة على صدق نبوَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وصحة رسالته، وصدق ما جاء به من عند الله تعالى، لا يزال هناك من يُنكر قضية البعث بعد الموت[9]. ويرجع السبب الرئيس في إنكار هؤلاء إلى اتباع الآباء وتقليد الأسلاف ومن اتخذوهم قدوةً وإمامًا لهم؛ إذ أعرضوا عن وسائل المعرفة، ولم يستعينوا بالعلم والبصيرة في الوصول إلى الحق. وكان المشركون ومنكرو البعث متمسكين بمنهج آبائهم وأجدادهم، حتى إنهم كانوا يرون أن التخلّي عن أدنى جزءٍ من المعتقدات التي نشؤوا عليها من أشقِّ الأمور عليهم، بل عدُّوا البعث بعد الموت أمرًا مستحيلًا وغير مقبول[10].
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾[11].
وقد عمَّت هذه البليةُ الكفارَ جميعًا، بل أصابت كثيرًا من أهل الكتاب أيضًا، مع أن لديهم بقيةً من علوم الأمم السابقة. ويعود سبب هذا الانحراف إلى ضلال بعض علمائهم الذين قدَّموا شهواتهم وأهواءهم على الحق، فأضلوا أممهم، وصرفوهم عن سبيل الهدى، ورسَّخوا في أذهانهم أن رجال الدين يضمنون لهم المغفرة ودخول الجنة، ويتحملون عنهم تبعاتهم وأوزارهم يوم القيامة.
وقد أدى ذلك إلى أن زعموا أن الحياة الدنيا ليست إلا حركةً مجردة، لا غاية لها ولا مقصد ولا حكمة، وأن للمعابد فئةً مخصوصة، ولمواطن الفساد والانحلال فئةً أخرى، وأن الحياة ليست إلا لعبًا ولهوًا وزينةً وتكاثرًا في الأموال والأولاد[12].
غير أن الله تعالى نبَّه هؤلاء وحذَّرهم تحذيرًا واضحًا، مبينًا أنه لم يخلق الإنسان عبثًا ولا من غير غاية، ولم يتركه مهملًا، فقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾[13].
يتبع…
القسم السابق| القسم التالي
المصادر والمراجع:
[1] القراملكي، محمد حسن، ترجمة إلى العربية: موسى أحمد قصير، المعاد، أجوبة الشبهات الكلامية 5، 1440هـ، ص 36–37.
[2] سورة المؤمنون، الآية: 115.
[3] الصوفي، ماهر أحمد، موسوعة البعث والنشور، تقديم: كوكبة من العلماء، 1431هـ/2010م، ص 90.
[4] الرمضان، منظور بن محمد بن محمد، منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت، بلا تاريخ، ص 9.
[5] سورة غافر، الآية: 35.
[6] سورة الأعراف، الآية: 146.
[7] سورة البقرة، الآيتان: 8–9.
[8] الرمضان، منظور بن محمد بن محمد، منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت، بلا تاريخ، ص 10.
[9] المرجع السابق، ص 10.
[10] العواجي، د. غالب بن علي، الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، 1421هـ/2000م، ج 1، ص 133.
[11] سورة البقرة، الآية: 170.
[12] الرمضان، منظور بن محمد بن محمد، منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت، بلا تاريخ، ص 12.
[13] سورة القيامة، الآية: 36.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version