
الكاتب: المولوي عبد الرحيم (راشد)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم العشرون)
الخدمة التدريسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله وتلاميذه البارزين (تابع)
القسم الثاني: التلاميذ الفقهاء
نذكر الآن أولئك التلاميذَ للإمام أبي حنيفة رحمه الله الذين أدّوا خدمة عظيمة في تدوين الفقه.
-
قاضي القضاة أبو يوسف رحمه الله:
إن عظمة شأنه ومكانته جديرة بأن تُكتب فيها رسالة مستقلة، حتى يُعرف مقدار كمالاته العلمية، ولكننا نكتفي هنا بذكر نبذة مختصرة من تاريخه، وإبداء رأي موجز في حياته ومسيرته العلمية.
نسبه ومولده
يرجع نسبه إلى الأنصار، وكان جدّه الأعلى سعد بن صُبّة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان والده رجلًا فقيرًا، يقضي ليله ونهاره في العمل بالأجرة لكسب الرزق، وُلد في الكوفة سنة 113 هـ أو 117 هـ. ومع أنه كان محبًا للقراءة والكتابة منذ صغره، إلا أن والده لم يكن يرغب في ذلك، بل كان يريد له أن يتعلم حرفة ويكسب المال لأهل بيته، لكن القاضي أبا يوسف رحمه الله كان كلما وجد وقتًا جلس في مجالس العلماء، وفي يوم من الأيام كان حاضرًا في حلقة درس الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فجاء والده وأخرجه منها بالقوة. ولما عاد إلى البيت قال له والده: «يا بني! إن الله تعالى قد وسّع الرزق على أبي حنيفة رحمه الله، فلماذا تقلّده؟». فترك القاضي أبو يوسف رحمه الله طلب العلم والقراءة اضطرارًا، وبقي مع والده. حضر القاضي أبو يوسف رحمه الله مجالس كثير من الأئمة الآخرين غير الإمام أبي حنيفة رحمه الله طلبًا للعلم، فروى الحديث عن الأعمش، وهشام بن عروة، وسليمان التيمي، وأبي إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم، وتعلم المغازي والسير من محمد بن إسحاق، وتفقّه في مسائل الفقه على يد محمد بن أبي ليلى. وقد منحه الله جل جلاله قوة في الحفظ وذكاءً خارقًا، فكان يتعلم الكثير في مدة قصيرة، وكتب الحافظ ابن عبد البر، وهو من المحدثين المشهورين: «كان أبو يوسف يحضر عند المحدثين، وكان يحدّث في مجلس واحد بخمسين أو ستين حديثًا». ظل القاضي أبو يوسف رحمه الله حاضرًا في حلقة درس الإمام أبي حنيفة رحمه الله ما دام الإمام حيًّا، وبعد وفاة الإمام، أراد العمل في ديوان الدولة، ولذلك ولاه الخليفة المهدي العباسي منصب القضاء سنة 166 هـ. وبعد المهدي أبقاه خليفته الهادي في هذا المنصب، ثم إن هارون الرشيد، لما رأى مكانته العلمية وقدرته، عيّنه قاضي القضاة لجميع البلاد الإسلامية، وكانت هذه أول مرة يُمنح فيها هذا المنصب لأحد. أما التطورات والإصلاحات التي قام بها القاضي أبو يوسف رحمه الله في ذلك المنصب يمكن ذكرها في سيرة مستقلة لحياته.
وفاته
توفي يوم الخميس وقت الظهر، في الخامس من شهر ربيع الأول سنة 182 هـ. وقد نقل محمد بن سماعة أنه عند وفاته كانت هذه الكلمات على لسانه: «اللهم إنك تعلم أني لم أتعمد قط أن أحكم بخلاف الحق، وكنت دائمًا أحاول أن يكون كل حكم أصدره موافقًا لكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، فإذا عرضت لي مسألة صعبة، كنت أرجع إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وحسب علمي فإن أبا حنيفة رحمه الله كان أعلم الناس بأحكامك، ولم يكن يتعمد الخروج عن طريق الحق». كان القاضي أبو يوسف رحمه الله قد أصبح ثريًا جدًا، لكنه كان يحسن استعمال أموال الدولة، وعند وفاته أوصى أن تُعطى أربعمائة ألف دینارًا للمحتاجين في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبغداد.
كثرة روايته للحديث
كان القاضي أبو يوسف رحمه الله متبحرًا في علوم كثيرة، وإن كان أكثر اشتهاره في علم الفقه، إلا أنه كان متفوقًا في سائر العلوم أيضًا، وقد نقل المؤرخ ابن خلكان قول ابن يحيى: «كان أبو يوسف حافظًا للتفسير والمغازي وأيام العرب، وكان له علم واسع بالفقه أيضًا».
تصنيفاته
كان القاضي أبو يوسف رحمه الله أول من ألّف في الفقه الحنفي، وله تصانيف كثيرة في علوم مختلفة، وقد ذكر ابن النديم في كتاب «الفهرست» تفصيل تلك الكتب وأسماءها، ومن أشهر كتبه كتاب «الخراج». هذا الشخص هو الذراع الثاني للفقه الحنفي، وكان وطنه الأصلي قرية قريبة من دمشق تُسمّى حرستا، وقد انتقل والده من هناك إلى واسط وأقام فيها، ووُلد الإمام محمد هناك سنة 145 هـ . وفي بداية شبابه ذهب إلى الكوفة، وبدأ فيها تحصيل العلوم، ولازم مجالس كبار الفقهاء، فروى الحديث عن مسعر بن كِدام، والإمام سفيان الثوري، ومالك بن دينار، والإمام الأوزاعي، وغيرهم. ولازم الإمام أبا حنيفة رحمه الله مدة تقارب السنتين، وبعد وفاة الإمام الأعظم أبوحنیفة رحمه الله أخذ العلم عن القاضي أبي يوسف، ثم رحل إلى المدينة المنورة، وقرأ الحديث على الإمام مالك رحمه الله مدة ثلاث سنوات. وفي بدایة شبابه اشتهر بفضله وكماله، وجلس على مسند التدريس وهو في سن العشرين، وبدأ الناس ينتفعون بعلمه، ولما بلغ هارون الرشيد خبره في الفضل والكمال، ولّاه القضاء، وكان يُبقيه معه أكثر الأوقات. وفي سنة 189 هـ، لما خرج هارون الرشيد إلى الرَّيّ، أخذه معه، فلما وصلوا إلى قرية بجانب الرَّيّ تُوفِّي الإمام محمد رحمه الله فيها، وكان من اتفاقات هذا السفر أن النحوي المشهور الكسائي كان رفيقه فيه، فتُوفِّي هو الآخر في المكان نفسه. فحزن هارون الرشيد حزنًا شديدًا، وقال: «اليوم دُفنت الفقه والنحو معًا».
إنَّ منزلة الإمام محمد رحمه الله ومكانته تُعرف من أقوال الأئمة المجتهدين.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: «كان محمد بن الحسن إذا ذكر مسألةً، بدا كأن الوحي ينزل». وسُئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «من أين حصلتَ هذه المسائل الدقيقة؟» فقال: «من كتب محمد بن الحسن».[1] وإن كان اشتهار الإمام محمد رحمه الله أكثر في الفقه، وكانت معظم تصانيفه في هذا الفن، إلا أنه كان أيضًا على درجة الاجتهاد في التفسير والحديث والأدب، ومن أقوال تلميذه الإمام الشافعي رحمه الله: «ما رأيتُ أحدًا أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن». ومن أشهر كتبه: الموطأ، والمبسوط، والجامع الصغير، والجامع الكبير، وكتاب الحجج، والسير الصغير، والسير الكبير. وله غير هذه الكتب مؤلفات أخرى في الفقه، منها على سبيل المثال: الكيسانيات، والجرجانيات، والرقيات، والهارونيات، غير أن هذه الكتب لا تدخل في اصطلاح الفقهاء ضمن ظاهر الرواية، بل إن كتاب الحجج الذي سبق ذكره خارجٌ عن هذه السلسلة أيضًا.
يتبع…
[1] تهذیب الاسماء واللغات