الكاتب: المولوي عبدالله (عزام)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم السابع عشر)
مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله (المتابع)
منهج الشورى عند الحنفية في تدوين علم الشريعة وطريقة مناقشة المسائل:
كانت الشورى عند الحنفية تُناقَش فيها كلُّ مسألةٍ بعمقٍ شديد، ولا يُحكم عليها بصلاحية العمل بها إلا بعد بحثٍ شاملٍ من جميع الجوانب، کلما عُرضت مسألةٌ للنقاش، كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يأخذ آراء جميع أعضاء الشورى، فإن اتفقت آراؤهم كُتبت المسألة بوضوح في كتب الأصول على يد الإمام أبي يوسف رحمه الله. أمّا إذا وقع اختلافٌ بين أعضاء الشورى، فإن النقاش والحوار والاستدلال كان يجري بحريةٍ تامة، وقد يستمرّ النقاش في بعض المسائل أشهراً طويلة، وبعد أن تتضح المسألة وتُحسم، تُدوَّن وتُثبت. وقد ذكر موفق بن أحمد المكي في كتابه «مناقب أبي حنيفة رحمه الله». «فكان يَعرض مسألةً مسألة، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهراً أو أكثر من ذلك، حتى يستقر أحد الأقوال، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول». [1] أي: كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يعرض المسألة على مجلس الشورى، فيستمع إلى آراء أعضائه وکان يُبدي رأيه أيضًا، ثم يجري بينهم النقاش والاستدلال مدة شهر أو أكثر في مسألة واحدة، حتى يستقروا على قولٍ واحد، فيقوم الإمام أبو يوسف رحمه الله بتدوينه في كتب الأصول.
قال العلامة الكردري رحمه الله في كتابه «مناقب الكردري». «إذا وقعت لهم مسألة يديرونها حتى يوضّحوها». [2] أي: إذا عُرضت على مجلس الإمام أبي حنيفة رحمه الله مسألةٌ، تداولها الأعضاء فيما بينهم بالمناقشة العميقة حتى يصلوا إلى عمقها، فتتجلى وتتبين بوضوح. ويشهد على هذا الإمام المحدث الكبير الأعمش رحمه الله، فقد سُئل عن مسألةٍ فأشار إلى مجلس الإمام أبي حنيفة وأصحابه وقال: «عليك بأهل تلك الحلقة، فإنهم إذا وقعت لهم مسألة لا يزالون يديرونها».[3] أي: عليك بتلك الحلقة، فإن أصحابها إذا عرضت عليهم مسألة لا يزالون يدرسونها ويحللونها بعناية. وكان في هذه الشورى الفقهية يُعطى رأي كل عضو أهميته، ولم يكن يُسمح بتدوين أي مسألة حتى تُؤخذ آراء الجميع وتُدرس الأدلة في ضوء البحث والتحقيق، وقد نُقل في كتاب «حسن التقاضي في سيرة أبي يوسف القاضي» بسند صحيح عن إسحاق بن إبراهيم أن أصحاب الإمام أبي حنيفة كانوا يتدارسون المسائل بحضور الإمام بعنايةٍ وتحقيقٍ دقيق، وكان إذا لم يكن يزيد بن عافية حاضرًا يقول الإمام: لا تجمعوا المسألة حتى يحضر يزيد بن عافية. «فإذا حضر عافية ووافقهم قال أبو حنيفة رحمه الله: اكتبوه، وإن لم يوافقهم قال أبو حنيفة: لا تكتبوه».[4] أي: فإذا حضر يزيد بن عافية ووافقهم، قال أبو حنيفة رحمه الله: اكتبوه. وإن لم يوافقهم، قال: لا تكتبوه. كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله لا يُحب أن يُدوَّن الفقهُ بناءً على رأيه الفردي فقط، بل لا بد أن يُبنى ذلك على تمحيصٍ دقيقٍ ومراجعةٍ شاملة، وبعد أن يتبيَّن وجهُ المسألة من جميع جوانبها في مجلس الشورى. ولذلك، إذا كان الإمام أبو يوسف رحمه الله يكتب رأيًا من آراء الإمام أبي حنيفة رحمه الله دون تحقيقٍ وتدقيق، كان الإمام رحمه الله ينبِّهه قائلًا: «لا تكتب كلَّ ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا فأتركه بعد غد». [5] وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يفعل ذلك حتى تُؤخذ آراء كبار الفقهاء من أهل الشورى في تدوين مسائل الدين والفقه، ولم يكن يفرض رأيه دون استشارةٍ أو دون المرور بمراحل البحث والاستنباط الدقيقة، بل لم يكن يحب أصلًا أن تُبنى الفتوى على مزاجٍ فردي دون تحقيقٍ شامل. فإذا مرَّت المسألة بجميع المراحل البحثية، وجُمعت الأدلة النقلية والعقلية، واستقرَّ عليها الاتفاق، فإنه مع ذلك لم يكن يُصرُّ على رأيه بحيث لا يُسمع قولُ غيره أو لا يُنظر في دليلٍ آخر، بل كان يقول: «هذا رأي حسن، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن مما قلنا فهو أولى بالصواب منا». [6] أي: هذا رأي حسن، وهو أفضل ما توصَّلنا إليه، فمن جاء برأيٍ أحسن مما قلناه ومعه الدليل، فهو أحقُّ بالصواب منا. كان إذا عُرضت مسألةٌ على مجلس الشورى، شارك جميع الأعضاء بحريةٍ تامةٍ في النقد والمناقشة، وأُتيحت لكل واحدٍ منهم فرصةُ إبداء الرأي والنقد في ضوء الأحاديث والآثار والإجماع والقياس. وقد سعى الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن يكون مجلسُ المشاورة مقصودًا في غايته، وأن يكون النقاش والمناظرة فيه حرَّين، وأن يكون مجلسُ الاجتهاد في غاية البساطة وخاليًا من التكلف، حتى لا يكون الحياءُ ولا أدبُ التلميذ مع أستاذه عائقًا أمام البحث والتحقيق، وحتى لا يبقى في التشريع الشرعي أيُّ خللٍ أو قصور. وكان كلُّ عضوٍ في المجلس يعرض دليله بحرية، وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يستمع إليهم بصبرٍ وأناة، وقد ترتفع الأصوات أحيانًا في المجلس، ويختلفون معه في المسائل، بل ويقول بعضهم صراحةً: «دليلك في المسألة الفلانية غير صحيح».
ويذكر العلامة الجرجاني رحمه الله أنه كان حاضرًا في أحد المجالس، فتعجب ونظر إلى من حوله متسائلًا: أهذا هو توقير الشيخ الذي تفعلونه؟ ثم قال للإمام أبي حنيفة: لماذا لا تمنع هذا النوع من الجرأة في المناقشة والاستدلال؟ فقال له الإمام أبو حنيفة رحمه الله: «دعهم، فإني قد عوَّدتهم ذلك مع نفسي».[7] أي: اتركهم، فقد عوَّدتهم على هذا الأسلوب مع نفسي، حتى لا يكونوا مرعوبين في المجلس، بل منحتُ كلَّ واحدٍ منهم الحقَّ في مناقشة أدلتي ونقدها، ليظهر الحق وتتضح المسألة من جميع جوانبها. وقد كان لهذا الأسلوب في البحث والتحقيق في المسائل قبولٌ واسعٌ بين الناس، إذ لم يُعرف عن كبار التابعين قبل ذلك نقاشٌ بهذه الدرجة من العمق في المسائل، كما لم تُعرَض المسألة من قبلُ من جميع جوانبها بهذا التفصيل.
ويذكر موفق المكي رحمه الله: «وكان علماء الكوفة وفقهاؤها يحبون هذه الطريقة العجيبة في التشريع وحلِّ المسائل عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله».[8]
مجموع المسائل:
تولّى الإمام أبو حنيفة رحمه الله التدريس والإفتاء في مجلس شيخه الإمام حماد رحمه الله سنة 120هـ، واستمر في ذلك حتى وفاته سنة 150هـ، وخلال هذه الفترة التي امتدت ثلاثين عامًا، استنبط ودوَّن وبوَّب عددًا كبيرًا من مسائل الفقه والقانون الإسلامي. وقد ذكر بعض العلماء أن عددها بلغ اثنتي عشرة ألف مسألة، بينما ذكر شمس الأئمة الكردري أن عددها بلغ ستمائة ألف مسألة، وهو القول الذي نقله أيضًا العلامة موفق بن أحمد المكي، وأضاف أن كتب الفقه الحنفي تؤيد هذا العدد.[9]
قبول الفقه الحنفي وخصائصه:
وقد جعل الله تعالى لهذا العمل العظيم الذي أُنجز بإخلاص قبولًا واسعًا، فانتشر ذكره في أرجاء العالم، ووُضعت نسخُ الفقه الحنفي المدوَّن في المحاكم والدوائر الحكومية المختلفة، كما اعتمدت الدول الإسلامية هذه النسخ مرجعًا يُرجع إليه القضاة في أحكامهم.
ويقول يحيى بن آدم: «قضى به الخلفاء والأئمة والحكام واستقر عليه الأمر».[10] أي: كان الخلفاء والحكام والأئمة يقضون وفق الفقه الذي دوَّنه الإمام أبو حنيفة رحمه الله، واستقر العمل عليه. وقد ذُكرت خصائص الفقه الحنفي وأسباب قبوله في كتب الفقه والسير بصيغ متعددة، وقد لخَّصها كتاب «تسهيل الحقائق» في النقاط الآتية:
  • إن مسائل الفقه الحنفي مبنية على الحكمة والمصلحة، وهي متوافقة مع الرواية والدراية معًا.
  • العمل بالفقه الحنفي أيسر مقارنةً بغيره من المذاهب الفقهية.
  • يمتاز الفقه الحنفي بسعةٍ واستحكامٍ في باب المعاملات، وبأسلوبٍ يلائم تطور الحضارة الإنسانية أكثر من غيره من المذاهب الفقهية.
  • منح الفقه الحنفي غيرَ المسلمين من الرعايا حقوقًا واسعة، مما سهَّل على الدول إدارة شؤونها وتنظيم حكمها.
  • الآراء التي يختارها الإمام أبو حنيفة رحمه الله في المسائل المنصوصة غالبًا ما تكون أقوى وأدق من حيث الدليل.
  • في عهد الخليفة هارون الرشيد، تولّى الإمام أبو يوسف رحمه الله منصب القضاء، وكان يقضي في العراق وخراسان وما وراء النهر وغيرها من البلدان وفق الفقه الحنفي، مما أدى إلى انتشاره وازدياد شهرته، وهذه ميزة لم تتحقق لأي فقيه أو مجتهد آخر.[11]
القسم السابق |القسم التالي
[1] مناقب أبي حنیفة ج 2/ ص 313
[2] مناقب الکردري ج 2/ص3
[3] معجم المصنفين: 2/184
[4] حسن التقاضي في سیرة أبي یوسف القاضي 12.
[5] نصب الراية: 310، تاريخ بغداد: 13/424.
[6]  الجواهر المضية: 590.
[7] الخيرات الحسان: 110.
[8] المناقب للموفق: 1/54.
[9] دفاع الإمام أبي حنيفة، بحوالة جامع المسانيد: 136، فتاوى رحيمية: 1/136، سيرة النعمان: 154.
[10] المناقب للموفق: 2/47.
[11]  تسهيل الحقائق: 8.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version