
الكاتب: المولوي عبدالله (عزام)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم السادس عشر)
مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله (المتابع)
لماذا شعر الإمام أبو حنيفة رحمه الله بالحاجة إلى تدوين الفقه
لا شك أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله أول من ابتكر تدوين علم الفقه وتبويبه، كما ذكر جلال الدين السيوطي رحمه الله في كتابه «تبييض الصحيفة». «من مناقب أبي حنيفة رحمه الله التي انفرد بها أنه أول من دوّن علم الشريعة ورتبه أبوابًا، ثم تابعه مالك بن أنس في ترتيب الموطأ، ولم يسبقه أبو حنيفة أحد».[1] أي: من مناقب الإمام أبي حنيفة رحمه الله التي تفرّد بها أنه أول من دوّن علم الفقه، ورتّبه على أبواب، ثم جاء الإمام مالك بن أنس رحمه الله فتابعه في ترتيب كتاب الموطأ، ولم يسبقه إلى ذلك أحد. ومع ذلك، فإن السؤال: لماذا شعر الإمام أبو حنيفة رحمه الله بالحاجة إلى تدوين الفقه في صورة منظمة ومبوّبة؟ إن النظرة الجامعة لهذا الموضوع نجدها عند المفكر والداعية الإسلامي مولانا أبو الحسن علي الندوي رحمه الله، حيث ذكر في كتابه «الاجتهاد الجماعي» ما يلي:إن ظهور أئمة العلم والاجتهاد في القرون الأولى للإسلام كان دليلًا على حيوية هذا الدين وقدرته على الاستمرار، وعلى كفاءة الأمة في القيام بواجبها الحضاري، وقد أسهمت جهودهم في تحقيق النظام والوحدة في الحياة العملية والمعاملاتية للأمة، فأنقذوها من التشتت الفكري والاضطراب الاجتماعي الذي وقعت فيه أمم أخرى في فترات تاريخية مختلفة. ولو أن علماء السلف المقصودين بالاجتهاد الفقهي واستنباط الأحكام والمسائل قد قصّروا في هذا المجال، لاضطرت الحكومات في ذلك العصر، بحكم مقتضيات الواقع وتحدياته، إلى فرض القوانين الرومانية أو الفارسية على العالم الإسلامي، لأن المسلمين كانوا يواجهون أوضاعًا ومسائل جديدة لم يألفوها من قبل. فقد ظهرت قضايا التجارة والزراعة والجزية والخراج وأحكام الرعايا، إضافة إلى مستجدات البلدان المفتوحة حديثًا، وكانت العادات القديمة والاحتياجات الجديدة كلها تنتظر أحكامًا شرعية وتنظيمًا دقيقًا من خلال الفقه الإسلامي، وكانت هذه ضرورات حياتية لا يمكن الاستغناء عنها، إذ إن الدولة كانت في حاجة ماسة إلى نظام قانوني شامل ومفصل. ولو تأخر تدوين الشريعة وتنظيم أحكامها، لاضطُر المسلمون إلى الاقتباس من القوانين الرومانية أو الفارسية، ومن هنا يتبين أن أي تقصير يسير من العلماء في هذا المجال كان يمكن أن يحرم الأمة قرونًا طويلة من نعمة النظام الاجتماعي والقانوني الإسلامي وآثاره المباركة. وكانت هناك حاجةٌ موازية أيضًا إلى بيان أحكام العبادات ومسائلها وتوضيحها، حتى تُعالج المشكلات التي قد تنشأ بسبب السهو والنسيان، والأخطاء البشرية، وعدم الإلمام بأحكام الشريعة. كما كان من الضروري حلّ القضايا التي تواجه الداخلين الجدد في الإسلام، وتوضيح ما يطرأ عليهم من مسائل وأحكام. وقد اقتضت الحاجة كذلك أن تُبيَّن وتُدوَّن الأحكام التفصيلية للعبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وسائر العبادات والمعاملات، في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، بصورة دقيقة ومنظمة. وبالنظر إلى هذه الاحتياجات والضرورات، رأى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن تدوين الفقه وعلم الشريعة وتبويبهما أمرٌ ضروري لا يقبل التأخير، فبادر إلى إنشاء مدرسة علمية اجتهادية منظمة، جمعت نخبةً من علماء ذلك العصر وأساتذته في مختلف العلوم، ليشاركوا في البحث والنظر والاستنباط الفقهي بصورة جماعية ومنهجية.
مجلس تدوين علم الشريعة ومواصفات أعضائها
كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله، مع كونه إمامًا في علم الحديث وشيخًا في الفقه، قلَّ أن يوجد له نظير في الاجتهاد، ومع ذلك، لم يرَ من المناسب أن ينفرد بتدوين علم الشريعة، أو باستنباط المسائل والأحكام واستخراجها، ولم يكن – كسائر المجتهدين – يمارس الاجتهاد والاستنباط بشكل فردي، بل سلك نهجًا شوريًا على طريقة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاختار من بين تلامذته نفرًا مختارين، ممن جمعوا، إلى جانب براعتهم في الحديث والفقه، صفاتٍ تؤهلهم لذلك الاختيار – منزلةً رفيعةً في الزهد والعبادة والتقوى، وذلك لما حظوا به من صحبة الإمام، ثم أنشأ مجلسًا للشورى يُعنى بالاجتهاد، والتخریج، والاستنباط، وتحليل المسائل ودراستها، حتى غدا مجلسًا لا نظير له في إتاحة حرية الفكر وإبداء الرأي. وهذه إحدى الخصائص المميزة للفقه الحنفي والمذهب الحنفي؛ إذ لم يكن ثمرة آراء مجتهد واحد وجهوده، وإنما كان حصيلة جهود جماعة كبيرة من نخبة الفقهاء والمجتهدين، بذلوا فيها سنوات طويلة من العمل والاجتهاد. وكما قال العلامة القرشي رحمه الله في كتاب الجواهر المضیئة: فوضع أبو حنيفة رحمه الله مذهب شورى بينهم، ولم يستبدَّ فيه بنفسه دونهم(١٤) أي: لقد أسس الإمام أبو حنيفة رحمه الله مذهبه ومسلكه على مبدأ الشورى، ولم يحصر الفقه في فكره واجتهاده وحدهما. وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله قد جعل مجلسه مجلسَ شورى يضم أربعين عضوًا، وكانوا جميعًا من المتخصصين في العلوم التي يحتاج إليها في الاجتهاد وتدوين الفقه وصياغة الأحكام. وفي بيان مكانتهم العلمية وفقاهتهم، وما امتازوا به من التبحر في العلوم والفنون، يقول المولى عبد الحي اللكنوي الأفْرَنْجي المَحَلِّي رحمه الله: إن هؤلاء كانوا من كبار مجتهدي عصرهم؛ فكان القاضي أبو يوسف إمامًا في الحديث والآثار واللغة، وكان الإمام محمد رحمه الله إمامًا في الفقه، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وكان الإمام زفر بارعًا في القياس، وكان الحسن بن زياد لا يُجارى في تفريع المسائل والإجابة عن الأسئلة، وكان عبد الله بن المبارك مشهورًا بصواب الرأي وإصابته، وكان حفص بن غياث معروفًا بالبراعة في القضاء والفصل بين الناس، وكان زكريا بن أبي زائدة شخصيةً فذةً في جمع الأحاديث وحفظ الفروع. ونظرًا إلى شمول هذه الشورى، ووجود إمامٍ ومتخصصٍ في كل فن من فنون العلم فيها، أجاب الإمام وكيع بن الجراح رحمه الله من قال: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله أخطأ في موضع كذا، بقوله: قال الإمام وكيع بن الجراح رحمه الله: كيف يُتصوَّر أن يخطئ أبو حنيفة رحمه الله، مع أن في مجلسه أمثال أبي يوسف والإمام زفر من أئمة القياس، ويحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وحبان، ومندل من حفاظ الحديث، وقاسم بن معن من أئمة اللغة، وداود الطائي، والفضيل بن عياض رحمهما الله من أهل الزهد والتقوى؟ ثم قال: من كان هؤلاء جلساءه لم يكن يخطئ؛ لأنه إن أخطأ ردُّوه.[2] أي: ما دام هؤلاء جلساءه وأعضاء مجلسه، فكيف يُتصوَّر أن يخطئ؟ فإن وقع منه خطأ، سارعوا إلى رده وتصويبه. وجاء في معجم المصنفين أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله قال مخاطبًا مجلس الشورى لتدوين الفقه وعلم الشريعة: «كل واحد منكم – وأنتم أربعون رجلًا – أهلٌ لتولي القضاء، وفيكم عشرة لا يقتصر شأنهم على أن يكونوا قضاة، بل يصلحون أن يكونوا معلمين للقضاة وأساتذتهم».[3]
أصول الاجتهاد في تدوين علم الشريعة عند المذهب الحنفي:
إن الأصول التي وضعها الإمام أبو حنيفة رحمه الله للاجتهاد واستنباط المسائل داخل هذا المجلس القائم علی الشوری، قد نُقلت في كتب التاريخ وسيرته وغيرها بأسانيد قوية، وهذه الأصول في حقيقتها لم يبتدعها الإمام أبو حنيفة رحمه الله من تلقاء نفسه، وإنما كان متبعًا لما ورد في الحديث المشهور، حيث أوصى النبي صلی الله علیه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه عند بعثه إلى اليمن بكيفية الحكم والقضاء. وكان من أصول الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا وجد في المسألة حديثًا ضعيفًا، قدَّمه على اجتهاده وقياسه، وترك رأيه عملًا بذلك الحديث، كما أنه في منهجه الاجتهادي القائم علی الشوری اتبع الطريقة التي كان عليها الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولا سيما ما كان عليه عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وقاضي شريح، وإبراهيم النخعي، والإمام حماد رضي الله عنهم، وغيرهم من فقهاء عصرهم ومجتهديهم، حيث كان يُولي أقوالهم وأحكامهم عنايةً كبيرة وأهميةً بالغة.
لقد نُسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله بعض الافتراءات، من بينها أنه كان يقدّم رأيه وقياسه على الحديث، وقد تصدّى كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين للرد على هذه التهم، وألّفوا في دفعها كتبًا مستقلة. ومن ذلك ما فعله العلامة زاهد الكوثري رحمه الله في كتابه «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفةرحمه الله من الأكاذيب»، حيث ردّ فيه ردودًا شديدة على الخطيب البغدادي رحمه الله، ونقض جميع الأقوال التي نُسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله ما لا يليق به، أو ما نُقل عنه من الروايات الضعيفة أو غير الصحيحة.
وكذلك نقل حافظ ابن عبد البر في كتاب «الانتقاء»، والعلامة الصالحي الدمشقي في «عقود الجمان»، عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله في بيان أصوله القائم علی الشوری وقواعده في الاستنباط، أنه قال: «إذا جاءنا الحديث عن رسول الله صلی الله علیه وسلم أخذنا به، وإذا جاءنا عن الصحابة تخيّرنا، وإذا جاءنا عن التابعين زاحمناهم».[4] أي: إذا وصل إلينا حديث ثابت عن رسول الله صلی الله علیه وسلم أخذنا به وعملنا بمقتضاه، وإذا وصل إلينا قول عن الصحابة رضي الله عنهم أخذناه أيضًا وعملنا به، وأما إذا كان من أقوال التابعين فإننا نجتهد معهم ونستدل كما استدلوا. ومعنى ذلك أن أول مصدر لحل المسائل كان يُطلب في القرآن الكريم، ثم تأتي السنة النبوية والأحاديث النبوية باعتبارها المصدر الثاني، وهو الأساس الذي بُني عليه النظام الشوری عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وكان يلجأ إلى القياس بعد استنفاد جميع الأدلة الأخرى وعدم وجود نص صريح. كما ذكر العلامة عبد الوهاب الشعراني رحمه الله في كتابه «الميزان»، والدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» ما يؤكد هذا المعنى ويقرره. «نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر أولًا في دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة أو في أقضية الصحابة، فإن اختلفوا قسنا حكمًا على حكم بجامع العلة بين المسألتين حتى يتضح المعنى».[5] أي: نحن لا نلجأ إلى القياس إلا عند الضرورة الشديدة، إذ نبحث أولًا عن دليل المسألة في كتاب الله، وسنة رسوله صلی الله علیه وسلم، أو في أقضية الصحابة رضي الله عنهم، فإن وُجد اختلاف في النصوص، قمنا بقياس حكمٍ على حكمٍ آخر بجامع العلة المشتركة بين المسألتين حتى يتضح المقصود والمعنى. فإن لم یُوصل إلى حل المسألة بالقياس، رُجع إلى الاستحسان، على أن تبقى مرتبة النصوص في كل حال هي المقدمة والأولى. وكما نُقل عن القاضي أبي يوسف رحمه الله في «الجواهر المضيئة». «كان إذا وردت حادثة قال الإمام رحمه الله: هل عندكم أثر؟ فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به، وإن اختلفت الآثار أخذ بالأكثر، وإن لم يوجد أثر أخذ بالقياس، وإن تعسّر القياس تركه إلى الاستحسان».[6] أي كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله إذا عرضت مسألة يقول: هل عندكم فيها أثر؟ فإن وُجد عنده أو عند أصحابه أثر عمل به، وإن اختلفت الآثار عمل بما كان أكثر وأرجح، وإن لم يوجد أثر رجع إلى القياس، فإن تعسّر القياس عدل إلى الاستحسان. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله، وهو من أعضاء تلك الشورى: «إن كان في المسألة حديث تبعه، وإن كان عن الصحابة أو التابعين فكذلك، وإلا قاس فأحسن القياس».[7] أي: إذا وُجد في المسألة حديث عمل به، وإن وُجد فيها قول للصحابة أو التابعين عمل به كذلك، وإن لم يوجد شيء من ذلك لجأ إلى القياس، وأحسن اختيار القياس. ويُفهم من قول الفضيل بن عياض رحمه الله أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله لم يكن يردّ جميع أقوال التابعين، ولا يمنع الاستدلال بها مطلقًا، بل كان يأخذ بها أيضًا، ويناقشها عند اختلاف وجهات النظر في بعض المسائل. ويتضح من هذا أن أصول الفقه في المدرسة الحنفية، وفي مجلس تدوين الفقه الذي ضمَّ نخبةً من علماء الأمة، كانت تقوم على تقديم كتاب الله، وسنة رسوله صلی الله علیه وسلم، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم أولًا. ومن أنصف في قراءة كتب المذهب الحنفي أقرَّ بأن هذا المذهب، الذي تبلور من جهود أربعين مجتهدًا، مذهبٌ منسجمٌ مع كتاب الله وسنة رسوله صلی الله علیه وسلم. كما قال العلامة عبد الوهاب الشعراني في «الميزان». إنه من فضل الله تعالى عليَّ أنني طالعتُ كتب المذاهب الأربعة وغيرها من الكتب، وقد منحتُ عنايةً خاصةً بقراءة أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فدرستها بعمقٍ واهتمامٍ بالغٍ، كما قرأتُ بتدبرٍ كتابَ تخريج أحاديث الهداية الذي صنَّفه العلامة الزيلعي رحمه الله، فوجدتُ أن الأدلة التي استند إليها الإمام أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه مبنيةٌ على أحاديث صحيحة أو حسنة، أو على أحاديث ضعيفة رُويت من ثلاثة أسانيد إلى عشرة أسانيد، وقد ارتقت هذه الأحاديث – بسبب كثرة طرقها – إلى درجة الحديث الحسن أو الصحيح، بحيث يصح الاحتجاج بها.
يتبع…
[1] تبییض الصحیفة ص 138
[2] (أخبار أبي حنيفة وأصحابه: 158-159)
[3] معجم المصنفین (2/55)
[4] (الانتقاء: 266، عقود الجمان: 143)
[5] المیزان (1/224)
[6] الجواهر المضیئة (590)
[7] (2/147)