الكاتب:المفتي محمد كُل (سعید)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم الرابع العشر)المتابع:
نطرح على هؤلاء المعاندين هذا السؤال: ماذا تقولون في هؤلاء العلماء الكبار؟ وماذا تقولون في هؤلاء الأربعين من التابعين، الذين كانوا مدة أربعين سنة يؤدّون صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء، على طريقة الإمام (أبي حنيفة) رحمه الله؟ وهل كان الشيخ عبد القادر الجيلاني قد بالغ أو غلا في نقل هذه القصة المتعلقة بهؤلاء الأربعين من الأكابر، الذين استمروا أربعين سنة يصلّون الفجر بوضوء العشاء؟ وهل جميع علماء وأعلام المذاهب: الحنابلة والمالكية والشافعية، كذلك يبالغون ويغْلون في حق الإمام أبي حنيفة رحمه الله؟ وإلى الله المشتكى.[1]
المفتي محمد تقي عثماني (حفظه الله تعالى) من علماء المشهور في هذا العصر، وقد زار قبر الإمام أبا حنیفة رحمه الله، وكتب عن رحلته قائلًا: خرجنا من قبر الإمام أبي يوسف رحمه الله في وقت كان فيه قُرْص الشمس على وشك الغروب، وكان في قلبي شوق شديد ورغبة ملحّة للوصول إلى قبر الإمام (أبي حنيفة) رحمه الله، رغم أنه كان يبعد قليلاً عن ذلك المكان، إلا أن سائقنا، إلى جانب كونه سائقاً، أدى أيضاً حق الضيافة بإخلاص ومحبة، فأوصلنا إلى مسجد الإمام الأعظم لأداء صلاة المغرب هناك. وبسبب قبر الإمام رحمه الله، أصبحت تلك المنطقة تُعرف باسم ” الأعظمية “، وهي اليوم من أجمل مناطق المدينة، بينما كانت في زمن الإمام رحمه الله مجرد مقبرة، إلا أنها كانت تُعرف آنذاك “بـمقبرة الخيزران”، لأن جارية الخليفة المسماة “خيزران” دُفنت فيها، ولذلك اشتهرت بهذا الاسم. ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه  ” تاريخ بغداد” أن راوي السيرة المشهور عن رسول الله صلی الله علیه وسلم، محمد بن إسحاق، مدفون أيضاً في تلك المقبرة، إلا أن القبور الأخرى قد زالت آثارها الآن، ولم تبقَ لها علامات تُرى، وقد أصبحت المنطقة عامرة بالسكان، غير أن قبر الإمام رحمه الله ما زال قائماً إلى اليوم، وقد بُني إلى جانبه مسجد جامع كبير يُسمى “جامع الإمام أبي حنيفة”. وعندما وصلنا إلى باب المسجد، كان أذان صلاة المغرب يُرفع بصوت مؤثر وجميل، فصليّنا صلاة المغرب في المسجد قبل زيارة القبر، ثم توجهنا بعد ذلك بشوق ومحبة إلى جانب القبر، وعند وصولنا إلى هناك كنا نشعر كأن السكينة والطمأنينة قد تجسدت وأحاطت بالمكان من كل جانب، وكأننا أمام محبوب نائم، ارتبطت به قلوبنا منذ الطفولة، فإذا ذُكر اسمه الشريف اضطرب القلب شوقاً ومحبةً وإجلالاً. وقد وُلد الإمام أبو حنيفة رحمه الله في الكوفة، حين كانت تلك المدينة قد أصبحت مركزاً عظيماً للعلم والمعرفة، وكانت حلقات الدروس لكبار المحدثين والفقهاء منتشرة في كل أحيائها، حتى لم يكن طالب العلم في الحديث في ذلك الزمان إلا وكان بحاجة إلى علماء الكوفة. وكان والد الإمام رحمه الله يُدعى ” ثابت”، وقد تُوفي في وقت كان فيه الإمام أبو حنيفة لا يزال طفلاً صغيراً، غير أنه ورد في بعض الروايات أيضاً أن والدته تزوجت لاحقاً من الإمام جعفر الصادق رحمه الله، الذي تولّى رعايته وتربيته.[2] في البداية كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله مشغولاً بالتجارة، إلا أنه كان أحياناً يُظهر اهتماماً بعلم العقائد وعلم الكلام، وكان يشارك في مجالس العلماء.
وقد لاحظ فيه الصحابي عامر بن شراحيل (الشَّعبي) رحمه الله آثار الذكاء والفطنة، فنصحه بأن يتفرغ لطلب العلم ويعمّق فهمه فيه، فكان لهذا النصح أثر كبير في نفسه، فترك الانشغال بالتجارة واتجه إلى طلب العلم والتفقه.[3] وتعلّم الإمام رحمه الله العلم عن كبار علماء عصره، حتى ذُكر أن عدد شيوخه بلغ أربعة آلاف شيخ. وبعد ذلك، فإن ما وفّقه الله تعالى إليه من خدمة الدين أمرٌ لا حاجة إلى الإطالة في بيانه؛ إذ يكفي أن بركته رحمه الله قد امتدت حتى أصبح أكثر من نصف الأمة الإسلامية اليوم يعتمدون على تفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف وفق منهجه، ويتخذونه إماماً وقدوةً في الفقه والدين. أقام الإمام أبو حنيفة النعمان مدةً من الزمن في الكوفة، إلا أن واليها ابن هبيرة سجنه لأسباب سياسية، ولم يكتفِ بذلك، بل أوقع عليه أنواعًا من الأذى والمعاناة. وبعد أن أُفرج عنه، قصد مكة المكرمة طلبًا للأمن والحماية من الظلم والاضطهاد، فأقام فيها عدة سنوات. ثم عاد إلى العراق بعد تحسن أوضاعه، وكان ذلك في بداية قيام الدولة العباسية، وقد استقبل الخلافة العباسية في أول أمرها بشيء من الترحيب والتفاؤل، آملًا أن تكون أكثر التزامًا بالدين والعدل من الدولة الأموية، إلا أن هذا الأمل لم يتحقق، فبدأت الخلافات بينه وبين الخلفاء العباسيين. وكان الخليفة أبو جعفر المنصور يرغب في أن يتولى الإمام أبو حنيفة منصبًا رسميًا في الدولة؛ ليستفيد من مكانته العلمية والاجتماعية في كسب تأييد الناس، غير أن الإمام رفض قبول أي منصب حكومي؛ لأنه كان يخشى أن يؤدي الالتزام ببعض الأوامر الرسمية إلى الإخلال بأحكام الشريعة أو تعطيلها. ولما اشتد الضغط عليه، قبل تولي بعض المهام الإدارية المحدودة، إلا أن المنصور عاد فألحَّ عليه في قبول منصب القضاء، غير أن الإمام أصرَّ على رفضه، فزُجَّ به في السجن، وجُلِد مئةً وعشر جلدات. وقد ذكرت بعض الروايات أنه توفي رحمه الله داخل السجن، بينما تذكر روايات أخرى أنه أُفرج عنه، إلا أن السلطة منعته من الإفتاء ومخالطة الناس والخروج إليهم، حتى وافاه الأجل، فانتقل إلى رحمة الله تعالى. ودُفن رحمه الله في مدينة بغداد، في المنطقة المعروفة اليوم باسم الأعظمية، التي نالت شرف احتضان مرقده، ولا يزال قبره معروفًا ومقصودًا للزيارة إلى يومنا هذا.
كما سبق بيانه، فإن الموضع الذي يقع فيه قبر الإمام أبو حنيفة النعمان كان في الأصل مقبرة تُعرف باسم مقبرة الخيزران، إلا أنها اشتهرت بعد دفنه فيها باسم الأعظمية، وقد قام أتباع الإمام ومحِبّوه ببناء مسجد بجوار قبره، وأقاموا فيه حلقات الدرس والتدريس، ثم أخذ هذا المسجد يتوسع تدريجيًا حتى أصبح جامعًا كبيرًا له تاريخ عريق ومستقل، وقد ألّف إمامه القائم عليه كتابًا خاصًا تناول فيه تاريخه وأحواله. ولا يزال مرقد الإمام أبي حنيفة رحمه الله موضعَ عنايةٍ وزيارةٍ من الخاصة والعامة، وقد نقل العلامة الخطيب البغدادي قولًا منسوبًا إلى الإمام الشافعي رحمه الله، جاء فيه: «إني لأتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره في كل يوم ـ يعني زائرًا ـ فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وأتيت قبره، وسألت الله تعالى حاجتي عنده، فما تبعد عني حتى تُقضى».[4] ومعنى هذا القول: أن الإمام الشافعي كان يزور قبر الإمام أبي حنيفة للتبرك، وأنه إذا عرضت له حاجة صلى ركعتين، ثم أتى إلى قبره، وسأل الله تعالى قضاء حاجته عنده، فيرى أن حاجته تُقضى سريعًا بإذن الله تعالى.
ومن الأخبار المشهورة عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أنه زار قبر الإمام أبو حنيفة النعمان، فصلى عنده صلاةً خالف فيها ما هو عليه من مذهبه؛ إذ لم يقنت في صلاة الفجر، وذلك مراعاةً لمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله الذي لا يرى القنوت في صلاة الفجر. وقد كان الجلوس عند قبر الإمام أبي حنيفة رحمه الله مشحونًا بالسكينة والطمأنينة، حتى إن الزائر ليشعر براحةٍ تشبه راحة الطفل في حضن أمه، وكان القلب يتمنى أن تدوم هذه الحالة من السكون والأنس، إلا أن طول البقاء غير ممكن، فلا بد من القيام والمغادرة، وإن كان في النفس شيء من التعلق والرغبة في عدم المفارقة.
لقد كُتبت في مناقب الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله مؤلفات كثيرة، وفيما يلي ذكرُ عددٍ من أهمها:
  1. فضائل الإمام أبي حنيفة: للشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن شعيب الحنفي.
  2. أخبار أبي حنيفة وأصحابه: للإمام قاضي أبي عبد الرحمن بن علي الصيمري.
  3. شقائق النعمان في مناقب النعمان: لجار الله الزمخشري.
  4. مناقب الإمام الأعظم: للعلامة صدر أبي المؤيد موفق الدين بن أحمد المكي الخوارزمي.
  5. قلائد عقود الدر والعقيان في مناقب أبي حنيفة النعمان: للإمام شرف الدين أبي القاسم بن عبد العليم العيني القرشي الحنفي.
  6. البستان في مناقب النعمان: للشيخ محيي الدين عبد القادر القرشي.
  7. الانتصار لإمام أئمة الأمصار: للشيخ ابن مظفر يوسف بن قزغلي البغدادي.
  8. تحفة السلطان في مناقب النعمان: لابن خلّكان.
  9. الخيرات الحسان: لابن حجر الهيتمي الشافعي.
  10. تبييض الصحيفة: لجلال الدين السيوطي.
  11. عقود الجمان: للإمام أبي عبد الله محمد بن يوسف الصالحي.
  12. الإمام أبو حنيفة: للدكتور طارق السويدان.
  13. تاريخ المذاهب الأربعة: لأبي زهرة.
  14. الدر المنظّم في مناقب الإمام الأعظم: لنوح أفندي.
  15. الإمام أبو حنيفة: حياته السياسية: للشيخ منظور نعماني.
  16. الإمام الأعظم أبو حنيفة ومكانته الحديثية: للمفتي محمد نعمان.
  17. مكانة الإمام أبي حنيفة بين المحدثين: لمحمد قاسم عبده الحارثي.
  18. مكانة الإمام أبي حنيفة: للعلامة عبد الرشيد نعماني رحمه الله، وغيرها من المؤلفات.[5]
القسم السابق|القسم التالي
[1] العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي: 1/128 رقم 169، تذكرة الموضوعات: 1/111، تاريخ بغداد: 3/32، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: 1/128 رقم 5845.
الناشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية، مؤسسة علوم القرآن، جدة. الطبعة الأولى: 1413هـ – 1992م.
تذكرة الحفاظ: 1/127، تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 29/417 للحافظ المِزِّي (المتوفى 742هـ)، مسند الإمام أبي حنيفة: 1/24 (ذكر من رأى من الصحابة وروى عنهم)، عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، مناقب الإمام أبي حنيفة للإمام الذهبي – رحمه الله – ص 18 (تذكرة الحفاظ: 1/168).
[2]  حدائق الحنفية: 43، نقلاً عن كتاب “مفتاح السعادة”
[3] مناقب الإمام الأعظم: 1/59، تأليف العلامة المكي
[4]   تاريخ بغداد، 1/123
[5] الجواهر المضیة: ج1 ص14، جامع المسانید: ص33
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version