المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)(القسم التاسع)
الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله، ذو الأصل الكابلي، المشهور بين الناس بلقب «الإمام الأعظم»، هو ابن ثابت الخزّاز، وحفيد زوطي، وابن حفيد ماه، ويُعدّ أحد الأئمة الأربعة الكبار عند أهل السنة والجماعة، ومؤسس المذهب الفقهي الإسلامي الشهير «المذهب الحنفي»، الذي لا يزال يُنسب إليه إلى يومنا هذا، ويتبعه أكثر من نصف المسلمين في العالم.
وما مضی على وصول العرب إلى خراسان سوى خمسين عامًا، حتى أبصر النور في الكوفة رجل من أبناء تلك البلاد، فنشر بين الناس نور الفقه والعلم، وذلك الرجل هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي رحمه الله، الخراساني الأصل، الذي ظلّ طوال أكثر من ألف عام الإمامَ المذهبيَّ لملايين المسلمين في أنحاء الأرض.
وقد ذُكر في صفحات التاريخ أنه كان يُعرف بالكابلي، وأن كبار أفراد أسرته انتقلوا إلى الكوفة في بدايات الإسلام، ويذكر بعض المؤرخين أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله كان من قرية خواجه سياران أو من قرية استرغج التابعة لولاية بروان، ثم انتقلت أسرته بعد ذلك من كابل إلى الكوفة.
كما كتب مرتضى حسين البلجرامي في كتابه «حديقة الأقاليم» «الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكابلي الاسترغجي الكوفي رحمه الله…»[1]
النشأة الأولى وطلب العلم:
ورد في كثير من المصادر التاريخية وكتب التراجم والمناقب أن الإمام الأعظم أبا حنیفة رحمه الله كان كابليَّ الأصل، ويذكر المؤرخون أن جدَّه «زوطي» ـ بضم الحرف الأول وفتح الحرف الثالث ـ كان من قرية خواجه سياران أو من قرية استرغج التابعة لمنطقة بروان أي من نواحي كابل، إذ لم تكن بروان آنذاك ولاية مستقلة، ثم انتقل بعد ذلك إلى الكوفة.
وقد وردت روايتان بشأن سبب انتقاله؛ إحداهما أنه بعد اعتناقه الإسلام هاجر إلى الكوفة برغبته واختياره، رغبةً في لقاء أئمة الإسلام وعلمائه، وكانت الكوفة آنذاك مركزًا من مراكز الخدمة الإسلامية والعلم، والرواية الأخرى تقول إنه عند فتح كابل على يد العرب وقع أسيرًا في يد رجل من قبيلة تيم الله بن ثعلبة، فأخذه معه بوصفه مملوكًا.
غير أن أبا بكر الخطيب ذكر في كتابه «تاريخ بغداد» أن إسماعيل بن حماد، وهو حفيد الإمام الأعظم رحمه الله، قال:
«أقسم بالله ما دخل الرقُّ على أسرتنا قط، وقد وُلِد جدّي سنة ثمانين للهجرة، وكان والدي ثابت قد تشرف في صغره بلقاء علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فدعا له بالخير والبركة»
يذكر الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه أبو حنيفة رحمه الله أنه من المحتمل أن يكون زوطي قد أُسر عند فتح منطقته، غير أن المسلمين ـ لما كان من وجهاء قومه وکبارهم ـ لم يعاملوه معاملة الأسرى، بل حفظوا له مكانته وكرامته، ونالوا بذلك مودّة أقاربه وعشيرته؛ ولذلك كان من حق حفيده أن ينفي عن أسرته وصف الرقّ والعبودية.
وكان ثابت في الأربعين من عمره حين وُلِد الإمام الأعظم رحمه الله في الكوفة سنة 680 م تقريبًا، وظلّ في مقتبل شبابه يعمل في تجارة الخزّ اقتداءً بوالده، ثم عزم بعد ذلك على التفرغ لطلب العلم.
ويذكر بعض المؤرخين أن الإمام الأعظم رحمه الله ابتعد في طفولته عن تحصيل العلوم بسبب ما كانت تمرّ به تلك المرحلة من اضطرابات شديدة؛ إذ كان الحجاج بن يوسف ـ والي العراق من قبل الخليفة عبد الملك ـ قد أشعل نار الظلم في البلاد، وانتشر الظلم والطغيان في كل ناحية، ولا سيما تجاه أهل العلم والفضل، إذ كانت قسوته وسفّاكيته موجّهة إليهم بصورة خاصة.
ثم حینما هلك الحجاج سنة خمسٍ وتسعين للهجرة، وتوفي الوليد بن عبد الملك سنة ستٍّ وتسعين للهجرة، تولّى الخلافة سليمان بن عبد الملك، وكان ـ على ما يذكره المؤرخون ـ من أفضل خلفاء بني أمية؛ ففي عهده ازدهرت حركة التعليم والتدريس من جديد، وعادت عناية الناس تتجه إلى العلوم والفنون.
وُلِد الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله سنة (80 هـ) الموافقة لسنة (699 م) في مدينة الكوفة، عاصمة العراق آنذاك، وكان في وقت مولده المبارك الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا على العراق.
وقد أمضى الإمام الأعظم رحمه الله اثنين وخمسين عامًا من حياته في ظل الحكم الأموي، وأما الثمانية عشر عامًا الباقية فقد عاشها في عهد الدولة العباسية، وكان عمره عند وفاة الحجاج بن يوسف سنة (95 هـ) نحو خمس عشرة سنة.
وفي زمن خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله شابًا يافعًا، وقد شهد في العراق فترات حكم الولاة الأمويين الظالمين مثل يزيد بن المهلب، وخالد بن عبد الله القسري، ونصر بن سيار، حيث مرّت هذه العصور المضطربة أمام ناظريه، كما عانى في أواخر الحكم الأموي، في ولاية يزيد بن عمرو بن هبيرة الذي حكم العراق ثلاث سنوات، شيئًا من الظلم والاضطهاد.
وكانت الكوفة آنذاك مركزًا للعلم والمعرفة، فكان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله يحضر باستمرار حلقات الفقه والحديث الشريف، وبعد حفظه للقرآن الكريم، اشتغل مع والده في التجارة بالكوفة، وكان مع ذلك يشارك في مجالس العلماء بين الحين والآخر.
ولما رآه الإمام عامر الشعبي نصحه بالتفرغ لطلب العلم، لما لاحظه فيه من علامات النبوغ والذكاء ورجاحة العقل، فاستجاب الإمام أبو حنيفة رحمه الله لتلك النصيحة، وترك التجارة، وبدأ رحلاته في طلب العلم.
فروى الحديث الشريف، وتعلّم اللغة العربية وآدابها، ثم درس علم الكلام حتى بلغ فيه مرتبة عالية، فكان يحاجج رؤوس الفرق المنحرفة ويناظرهم في مسائل العقيدة، وغالبًا ما كان يخرج منتصرًا في مناظراته.
ثم اتجه بعد ذلك إلى علم الفقه، فانتسب إلى حلقة حماد بن أبي سليمان، ولازمه نحو ثمانية عشر عامًا، وكان الإمام أبو حنيفةرحمه الله يؤدي فريضة الحج كل عام، حتى قيل إنه حج خمسًا وخمسين مرة.
وقد أتاح له هذا التنقل أن يلتقي بفقهاء المسجد الحرام والمسجد النبوي، وأن يستفيد من علومهم، فيأخذ عنهم الحديث، ويسألهم عن المسائل الفقهية، وينتفع بحلقات دروسهم، ومن أبرز من لقيهم من التابعين: عامر الشعبي (103هـ / 721م)، وعكرمة مولى ابن عباس (105هـ / 723م)، ونافع الكابلي مولى ابن عمر (117هـ / 725م)، وزيد بن علي زين العابدين (122هـ / 740م)، ويذكر بعض العلماء أن شيوخ الإمام أبي حنيفة بلغوا نحو أربعة آلاف شيخ.
الإمام الأعظم رحمه الله بدأ حفظ القرآن الكريم في سن السادسة، فحفظه وفق قراءة الإمام عاصم رحمه الله خلال سنتين، من سنة 86 ه. ق إلى سنة 88 ه. ق كما تعلّم علوم الصرف والنحو وآداب اللغة العربية خلال سنتين، من سنة 88 ه. ق إلى سنة 89 ه. ق.
ثم درس علم الكلام خلال خمس سنوات، من سنة 90 ه. ق إلى سنة 94 ه. ق، وكان عمره حينها نحو أربعة عشر عامًا، بعد ذلك اتقن علم المناظرة لمواجهة الفرق الباطلة خلال أربع سنوات، من سنة 95 ه. ق إلى سنة 98 ه. ق، وكان عمره حينها نحو ثمانية عشر عامًا.
كما تعلّم علم الحديث الشريف خلال خمس سنوات، من سنة 99 ه. ق إلى سنة 104 ه. ق وكان عمره حينها ثلاثة وعشرين عامًا، ثم بدأ دراسة الفقه وعلوم الشريعة من سنة 104 ه. ق إلى سنة 120 ه. ق أي لمدة سبعة عشر عامًا، فأنهى تعلمه في الأربعين من عمره في مدرسة الإمام حماد بن أبي سليمان رحمه الله في الكوفة.
وقد كان الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله في مدرسة حماد بن أبي سلیمان مميزًا بين الطلاب، حيث برز بين أكثرهم ذكاءً وتألقًا، واعتُبر من أبرز حفاظ الحديث وطلاب الفقه في عصره.
بعد أن أنهى دراسة علم الكلام، شجعه الإمام الشعبي، وهو من أئمة الحديث المشهورين، على التعمق في علم الحديث، ففي سنة 96 ه. ق حجّ الإمام الأعظم رحمه الله لأول مرة برفقة والده، وهناك التقى بصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبدالله بن الحارث بن الجزء رضي الله عنه، وأخذ عنه حديث النبي صلی الله علیه وسلم الشريف:
“من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب.”
أي: من تعمق في فهم دين الله وعلمه، يكفيه الله ما يشغله من همومه، ويرزقه من مصادر لا يخطر له على بال.
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله من کِبَار التابعين
كان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله من کبار التابعين، وقد لقي في عصره كلَّ صحابيٍّ وتابعيٍّ استطاع الوصول إليه، فرآهم وجالسهم، واستفاد من علمهم وبركتهم، ومع أن مدةً طويلة قد انقضت بين الإمام أبي حنيفة رحمه الله وبين الصحابة الكرام، فإن كونه من التابعين أمرٌ مسلمٌ به وحقيقةٌ لا يمكن إنكارها.
ويرى معظم المؤرخين ومؤلفي کتب مناقب الإمام الأعظم رحمه الله أنه من التابعين من جهة الرواية؛ غير أن بعض الروايات المنسوبة إلى الإمام الأعظم رحمه الله قد تعرّضت للنقد والجرح عند عدد من علماء الحديث، إلا أن هذا النقد لا ينفي عنه وصف التابعيّة ولا يؤثر فيه.
وقد اتفق علماء المذاهب المختلفة، والمحدثون، والمؤرخون على عَدِّ الإمام الأعظم رحمه الله من التابعين، ومن هؤلاء: بدر الدين العيني، وابن الهمام، وولي الدين العراقي، وابن حجر الهيتمي، وابن حجر العسقلاني، وجلال الدين السيوطي، والقسطلاني، وابن كثير، وعلي القاري، وأبو نعيم الأصبهاني، وكاتب الواقدي في الطبقات الكبرى، والدارقطني، وابن عبد البر، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي، والسمعاني، وعبد الغني المقدسي، وسبط ابن الجوزي، وفضل الله التوربشتي، والنووي، واليافعي، والذهبي، وزين الدين العراقي، وابن الوزير، وغيرهم من العلماء المشهورين.
ويضيف الحافظ ابن كثير أن هذا الشرف والفضل لم ينله أحدٌ من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية سوى الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وأن ذلك يُعدّ دلیلًا على علوِّ منزلته ورفعة مقامه.
إنّ الصحابة الكرام رضي الله عنهم، الذين ذكر عدد من المؤرخين ومصنفي كتب المناقب أنهم التقى بهم الإمام الأعظم رحمه الله، ومن أبرزهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن أنيس الجهني، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، ومعقل بن يسار، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وعائشة بنت عَجْرَد، وسهل بن سعد، والثائب بن خلاد بن سويد، وعبد الله بن سمرة، ومحمود بن الربيع، وعبد الله بن جعفر، وأبو أمامة الباهلي.
ومن الجدير بالذكر أن المؤرخين لم يتفقوا جميعًا على ثبوت لقاء الإمام الأعظم رحمه الله بجميع هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، بل وقع بينهم خلاف في ذلك، غير أننا ذكرنا جميع الصحابة الذين يرى بعض العلماء والمؤرخين أن لقاءً قد حصل بينهم وبين الإمام الأعظم رحمه الله، وأنه روى عن بعضهم أيضًا.
وبوجه عام، يذكر المحدثون أنَّ عدد الأحاديث التي رواها الإمام الأعظم رحمه الله مباشرةً عن الصحابة الكرام يتراوح بين سبعة وثمانية أحاديث، غير أنَّ المؤرخ الشهير عبد الرحمن بن خلدون، وهو من أتباع مذهب الإمام مالك بن أنس، عدَّ هذه الأحاديث سبعة عشر حديثًا.
كتب العلامة عبد الحي حبيبي في كتابه «تاريخ أفغانستان بعد الإسلام».
لقد رأى الإمام أبو حنيفة رحمه الله جماعةً من الصحابة الكرام، وذلك لأن الإمام وُلد سنة ثمانين للهجرة في مدينة الكوفة، وفي تلك الفترة كان عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه مقيمًا في الكوفة، وقد تُوفي بعد سنة ثمانين للهجرة، وكذلك كان أنس بن مالك رضي الله عنه موجودًا في البصرة.
وقد روى ابن سعد بسنده أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله قد رأى أنس بن مالك رضي الله عنه، ولذلك فإن الإمام، وفقًا لما ورد في «طبقات ابن سعد»، يُعد من التابعين، وهذه منزلة وميزة لم تتيسر لغير الإمام أبي حنيفة رحمه الله من كبار علماء الدين، مثل الإمام الأوزاعي رحمه الله في الشام، وسفيان الثوري رحمه الله في البصرة، وخالد الزنجي رحمه الله في الكوفة، وغيرهم، ولذلك يُعد الإمام من التابعين.
وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله عالِمًا بارزًا في عصره، وشخصية عظيمة، موثوقًا به، وله مكانة رفيعة في المجتمع الإسلامي، وقد أثنى عليه ووثّقه علماء الحديث والمشايخ والزهاد في العالم الإسلامي.
قال الإمام الدارقطني رحمه الله: «وأبو حنيفة رحمه الله لم يسمع من أحدٍ من الصحابة، وإنما رأى أنس بن مالكٍ بعينه».
قال محمد بن سَماعة القاضي: قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: «حججت مع أبي سنة ستٍ وتسعين، فرأيت رجلاً من أصحاب النبي صلی الله علیه وسلم يُقال له عبد الله بن جُزء الزبيدي».
قال العلّامة الحافظ المِزّي، وكذا شمس الدين الذهبي رحمه الله «النعمان بن ثابت بن زوطا، الإمام أبو حنيفة، فقيه العراق، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، رأى أنسًا، وسمع عطاءً ونافعًا وعكرمة».