المقتداء (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)(القسم السابع)
منهج الإمام أبو حنيفة رحمه الله في استنباط المسائل وقوةِ استدلاله(المتابع)
4- القياس:
في المسائل التي لا يوجد فيها نصٌّ صريح أو إجماع، كان الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله يلجأ إلى القياس. والقياس هو: استنباط حكم مسألةٍ ما بناءً على مسألة أخرى مشابهة لها، بشرط أن تشترك المسألتان في العلة أو الخصائص المشتركة.
مثلًا: تحريم المواد المخدِّرة الأخرى قياسًا على الخمر، لأن كليهما يؤدي إلى زوال العقل عند الاستعمال.
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله كان يملك مهارة خاصة في استخدام القياس، وكان يعدّه مصدرًا مهمًا للاستنباط الفقهي، وكان يرى أن القياس وسيلة معتبرة ومشروعة لمعالجة المسائل الفقهية الحدیثة وفقًا لأصول الشريعة.
ولهذا السبب، یأخذ القياس دورًا محوريًا في المذهب الحنفي، وقد تم قبول تطبيقه في كثير من مناطق العالم الإسلامي، كما أن منهجه هذا منح الفقه الإسلامي طابعًا تجديديًا ومعاصرًا، يجعله قابلًا للتوافق مع تطورات الزمان والمكان.
مفهوم القیاس:
القياس لغة: المقارنة.
واصطلاحًا: هو إلحاق حكم شيءٍ بآخر لوجود علة مشتركة بينهما، فيُحكم عليهما بحكمٍ واحد، ويُسمّى ذلك قياسًا.
هل يمكن عدّالقياس دليلًا شرعیًّا؟
السؤال: هل يوجد دليل على أن القياس يُعد دليلًا شرعيًا؟
الجواب: نعم، هناك أدلة كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية تدل على أن القياس يُعد من الأدلة الشرعية.
أولًا: لقد أمر الله عز وجل عباده بالقياس، كما في قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)[1]
ثانيًا: لقد قام رسول الله صلي الله عليه وسلم بالقياس أيضًا.
جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم فقال: إن فريضة الحج قد وجبت على والدي، لكنهأصبح شيخًا كبيرًا لا يستطيع الركوب على الراحلة، فهل يمكنني أن أحج عنه؟ فقال له رسول الله صلی الله علیه وسلم: (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ أَكَانَ مُجْزِئًا.قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ).[2]
جاء أحدُ الصحابة رضي الله عنه وقد قبَّل زوجته وهو صائم، فأتى إلى رسول الله صلی الله علیهوسلم وقال: يا رسول الله! لقد ارتكبتُ اليوم فعلًا غیر لائقٍ، وهو أنني قبَّلتُ زوجتي وأنا صائم. فقال له رسول الله: (أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ ؟ فَقُلْتُ: لَا بَأْسَ بِذٰلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله عليه وسلم : فَفِيمَ؟)[3] هنا قاس رسول الله صلی الله علیه وسلم مسألة تقبيل الزوجة على المضمضة بالماء.
ثالثًا: إن الصحابي ذكر مسألة القياس، فأقرَّه رسول الله صلی الله علیه وسلم علی ذلك، كما جاء في الحديث السابق لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حيث قال: (أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِﷺ)[4]
رابعًا: أول مسألة قام الصحابة الكرام بقياسها بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه وسلم كانت مسألة القيادة والخلافة، وهي: من الذي ينبغي أن يكون الخليفة؟ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (رَضِيَهُ رَسُوْلُ اللهِ صلی الله عليه وسلم لِدِيْنِنَا فَكَيْفَ لاَ نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا. فَاقْتَنَعُوْا وَاتَّفَقُوْا عَلَى تَوْلِيَةِ أَبِيْ بَكْرٍ)[5] هنا قاس عمر بن الخطاب رضي الله عنه مسألة الإمامة الكبرى (الخلافة) على إمامة الصلاة، وقد حدث ذلك أمام جميع الصحابة الكرام، ولم يعترض أحد منهم على ذلك.
5- الاستحسان:
كان الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالی يعتبر الاستحسان أصلًا اجتهاديًا مميزًا ومهمًا في أصول الفقه الإسلامي، وكان في كثير من المسائل يُقدِّم الاستحسان على القياس؛ لأن الاستحسان ينسجم أكثر مع حاجات الناس والتيسير عليهم، ومع المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية. وفي هذا التفصيل سیُشرحُ بيان تعريف الاستحسان، وكيف استخدمه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالی، وأهمية هذا الأصل في فقهه. كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالی يستخدم الاستحسان أيضًا، حيث يُقدَّم الاستحسان على القياس إذا كان تطبيق القياس يؤدي إلى مشقة على الناس، والاستحسان في الأصل هو إيجاد حلول تُراعي مصلحة الناس العامة وتحقق لهم التيسير والسهولة.
تعریف الاستحسان ومفهومه:
الاستحسان في اللغة يعني الاختيار والاستحباب.
أما في الاصطلاح فهو: إفراد حكم مسألة معينة عن نظائرها بسبب دليل قوي، أو هو: العدول عن حكم قياس جلي إلى قياس خفي أو إلى دليل أقوى منه.
6- العرف والعادة:
كان الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله يعطي أهمية خاصة لعرف الناس (تقالیدهم وأعرافهم)، وكان يعتقد أن العرف يجب أن يكون موافقًا للشريعة، ويمكن مراعاته عند استنباط الأحكام الفقهية.
مثال: إن التقالید والعرف الشائع بين الناس في المعاملات التجارية يمكن أن يكون أساسًا لتفسير القواعد الفقهية.
تعريف العرف والعادة:
العرف في اللغة يعني: المعرفة، القبول، والعادة أو الشيوع.
أما في الاصطلاح، فهو: الأمور التي يمارسها معظم الناس في منطقة أو بلد معين بطريقة واحدة، تُسمى هذه الأمور العرف والعادة.
الفرق بين العرف والعادة:
في الشؤون الاجتماعية، يدل كلٌّ من العُرف والعادة على معنى واحد؛ غير أنهما يختلفان عند الحديث عن فردٍ أو شخصٍ بعينه، وذلك أنّ أفعال الفرد لا يمكن أن تُسمّى عُرفًا، في حين أن العادة قد ترتبط أحيانًا بسلوك الشخص نفسه، وقد يترتّب عليها حكمٌ شرعي. مثال ذلك: العادة الشهرية للنساء (الحيض)، إذ تكون مختلفةً عند كل امرأة، ويرتبط حكمها بها.
7- آراءُ الصحابةِ الكرامِ وأعمالُهم:
كان الإمامُ أبو حنيفةَ رحمهُ اللهُ يُعطي آراءَ الصحابةِ الكرامِ وأعمالَهم اهتمامًا كبيرًا، وكان يستفيدُ من فتاواهم ومن أصولهم الفقهية. مثال ذلك: يرى الإمامُ أبو حنيفةَ أنه إذا وُجد رأيٌ لأحدِ الصحابةِ في مسألةٍ ما، فإنه يُقدِّمه على القياس ويُفضِّل الأخذَ به.
أسبابُ اهتمامِ الإمامِ أبي حنيفةَ رحمه الله بآراءِ الصحابةِ الكرام:
1- كان للصحابةِ الكرامِ ارتباطٌ مباشرٌ برسولِ الله صلی الله علیه وسلم، فقد كانوا هم الذين استفادوا من تعليمه وتربيته مباشرةً. ولذلك عُدَّت آراؤهم مصدرًا مهمًّا في فهم الشريعة. وكان الإمامُ أبو حنيفةَ رحمه الله يعلم أن الصحابةَ الكرامَ كانوا على درايةٍ تامّةٍ بأصول الإسلام الأساسية وبسُنن رسول الله صلی الله علیه وسلم، لذا عُدَّت آراؤهم ذاتَ قيمةٍ كبيرةٍ في الفقه.
2- اجتهاداتُ الصحابةِ الكرامِ في ظلِّ ظروفٍ خاصّة، كان الصحابةُ الكرامُ يعيشون في مناطقَ جغرافيةٍ مختلفة، وقد قدّموا حلولًا لمختلفِ الظروف في ضوءِ الشريعةِ الإسلامية. وكان الإمامُ أبو حنيفةَ رحمه الله يستخدمُ اجتهاداتِهم وفقًا لأصوله، وبذلك كان يعالجُ مسائلَ الفقه معالجةً اجتهاديةً.
أصولُ اهتمامِ الإمامِ أبي حنيفةَ بآراءِ الصحابةِ الكرام:
1- موافقةُ القرآنِ والسُّنّة:
كان الإمامُ أبو حنيفةَ رحمه الله يقبلُ رأيَ الصحابي إذا كان موافقًا للقرآنِ والسُّنّة. أمّا إذا تعارض رأيُ الصحابي مع النصوصِ الشرعيةِ الصريحة من القرآنِ والحديث، فإنه كان يترك ذلك الرأي ويعملُ بما يوافق النصوص الشرعية.
2- تنوعُ آراءِ الصحابةِ الكرام:
كان الإمامُ أبو حنيفةَ رحمه الله یهتم بآراءَ الصحابةِ الكرام، لكنه لم يكن يقبلُ جميعَ آرائهم على إطلاقها، وإنما كان يقبلُ ما وافق منها أصولَ الشريعة وكان مبنيًّا على الاجتهاد، وكان يعتمدُ بشكلٍ خاصٍّ على الآراء التي تستند إلى اجتهادٍ واسعٍ عند الصحابةِ الكرام.
3- بحسبِ المكان والظروف:
كان الإمامُ أبو حنيفةَ رحمه الله يعلمُ أن الصحابةَ الكرامَ كانوا يجيبون عن مسائلَ مختلفةٍ وفقًا لظروفِ الأماكن التي عاشوا فيها. ولذلك كان يقبلُ رأيَ الصحابي إذا كان موافقًا مع ظروفِ الزمانِ والمكان.