الکاتب: الشيخ معلم جان حنفي
الرد على الاعتراضات (الانتقادات) الموجهة إلى الإمام أبي حنيفة (رحمه الله)(القسم الرابع)(مجموعة مقالات)
اَلِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ:
الاعتراض الرابع هو أن الإمام البخاري رحمه الله ينقل في كتابه التاريخ الصغير عن نعيم بن حماد، عن سفيان الثوري رحمه الله، أنه قال: لما بلغ سفيان الثوري رحمه الله خبر وفاة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، قال سفيان رحمه الله: الحمد لله، كان ينقض الإسلام عروةً عروةً، ما وُلد في الإسلام أحدٌ أثم منه.
وفي جواب ذلك نقول:
إن هذه الرواية بلا شك غير صحيحة ولا ينبغي اتهام الإمام البخاري رحمه الله، فهو إنما كتب ما سمعه كما بلغه، وكان لنعيم بن حمادٍ تعصُّبٌ شديدٌ ضدَّ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهذا وحده يكفي للدلالة على بطلان هذه الرواية وكذبها، لأننا نحن نقول إنَّ هذا الكلام قاله نعيم بن حماد لأن الحافظ ابن حجر رحمه الله ذكر في كتابه “تهذيب التهذيب” مع أن بعض أئمة الحديث وثّقوا نعيم بن حماد، إلا أنه كان ينقل روايات كاذبة في الطعن على الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وقال الحافظ رحمه الله: إنه يروي حكايات في ثلب أبي حنيفة رحمه الله، کلما كذب.
بعد هذه الجملة لا حاجة للرد على رواية نعيم، وجدیر بالذکر كيف يقول سفيان الثوري رحمه الله هذا الكلام، مع أنه من تلامیذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ويعمل بفتواه في نحو تسعين بالمئة من المسائل، بل إن هناك واقعة أخرى نقلها الحافظ ابن حجر رحمه الله، وهي أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله جاء مرةً لتعزية أخي سفيان الثوري رحمه الله، وكان سفيان الثوري في حلقة الدرس، فقام له احترامًا، لكن بعض الناس لم يستحسنوا هذا القيام، فقال سفيان الثوري رحمه الله: (هذا رجلٌ من العلم بمکان، فإن لم أقم لعلمه قمتُ لسنِّه، وإن لم أقم لسنِّه قمتُ لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمتُ لورعه)، یُظهر من ذلك بوضوح مدى احترام سفيان الثوري رحمه الله للإمام أبي حنیفة رحمه الله تعالی.
السؤال الآن هو: لماذا روى محدث جليل القدر مثل الإمام البخاري رحمه الله قصة كاذبة كهذه؟
والجواب الأول هو أن المتعصبين للإمام أبي حنيفة رحمه الله كان لهم تأثير حتى على ذهن الإمام البخاري رحمه الله، ولذلك لم يجد الإمام البخاري رحمه الله أي إشكال في روايات نعيم بن حماد.
ويمكن أن يكون هذا السبب أيضًا أن أحد أساتذة الإمام البخاري رحمه الله، وهو الحُميدي، كان من أهل المذهب الظاهري، وكان أهل الظاهر ينتقدون الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولذلك لم يكن الإمام البخاري رحمه الله بعيدًا عن تأثير أستاذه.
نقل الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله في كتابه الميزان الكبرى أن سفيان الثوري رحمه الله كان في البداية متأثرًا بآراء بعض الناس الذين يظنون أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يُقدم القياس على النصوص.
وفي يوم من الأيام، وقع أن سفيان الثوري رحمه الله، مقاتل بن حيان، حماد بن سلمة وجعفر الصادق رحمهم الله ناقشوا الإمام أبا حنيفة رحمه الله، في قضايا متعددة من الصباح حتى الظهر، حيث قدّم الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله دلائل مذهبه.
وفي النهاية، قبَّل الجميع يد الإمام الأعظم أبي حنیفة رحمه الله، وقالوا له: (أنت سيد العلماء، فاعف عنا عما صدر منا فيك من تصرف بغير علم)
اَلِاعْتِرَاضُ الخَامِسُ:
الاعتراض الخامس هو أن الوليد بن مسلم يقول: قال مالك بن أنس: أَيُذْكَرُ أبو حنيفة رحمه الله في بلادكم؟ قلتُ: نعم، فقال: ما ينبغي لبلادكم أن تُسكن.
وفي الجواب عن ذلك:
 يكتب عبد الوهاب الشعراني رحمه الله في الميزان الكبرى أن: الحافظ المزي رحمه الله قال: إن راوي هذا الحديث الوليد بن مسلم، وهو ضعيف، حتى ولو نُقل هذا القول عن الإمام مالك رحمه الله، فالمقصود منه أنَّه في أي بلد يوجد فيه عالم بمكانة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فلا حاجة إلى إقامة عالِمٍ آخر في ذلك البلد.
الاعتراض السادس:
الاعتراض السادس هو أنه لم تُنقل روايات عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الكتب الصحاح الستة، ومن هذا يُفهم أنهم لا يرون الإمام أبا حنيفة رحمه الله قابلًا للاستدلال.
الجواب:
إن هذا سؤال عامي وبسيط جدًا، لأن الإمام البخاري رحمه الله لم يروِ أي حديث عن الإمام الشافعي رحمه الله، كما أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهو أيضًا من شيوخ الإمام البخاري رحمه الله، قد روى عنه حديثين فقط؛ أحدهما معلق والآخر بواسطة شخصٍ آخر.
الإمام مسلم رحمه الله لم يروِ أي حديث عن الإمام البخاري رحمه الله، مع أن الإمام البخاري رحمه الله كان من شيوخه. كما أن الإمام أحمد رحمه الله لم يروِ في مسنده عن الإمام مالك رحمه الله إلا ثلاثة أحاديث فقط، مع أن سند الإمام مالك رحمه الله يُعد من أصحّ الأسانيد وأعلاها.
فهل سنقول الآن إن الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله جميعًا ضعفاء؟
الحقيقة هي أن ما كتبه زاهد الكوثري في حاشية كتاب “شروط الأئمة الخمسة للحازمي” هو أن منهج أئمة الحديث كان يقوم على ذكر وحفظ الأحاديث التي يُخشى عليها من الضياع والاندثار، وأن الأئمة الأربعة (أصحاب المذاهب الأربعة) كان لهم عدد كبير جدًا من التلاميذ، ولم يكن هناك خوف من ضياع أحاديثهم، ولذلك لم يشعر أئمة الحديث بالحاجة إلى تدوين أحاديثهم أو كتابتها.
اَلِاعْتِرَاضُ السابع:
أكبر اعتراض یُطرح على الإمام أبي حنيفة رحمه الله هو أنه يقدّم القياس على النص.
والجواب:
إن هذا الكلام غير صحيح إطلاقًا، بل على العكس من ذلك، فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يترك القياس بسبب وجود النص، ومثال ذلك: في مسألة نقض الوضوء بالقهقهة، ترك الإمام أبو حنيفة رحمه الله القياس، وعمل بالحدیث، مع ذلك هناك في هذا الحديث كلام عند أهل العلم، إلا أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله عمل به وترك القياس، بينما بقية الأئمة تركوا الحديث وعملوا بالقياس.
وفي هذه المسألة، ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله، وهو شافعي المذهب، في كتابه “الميزان الكبرى” فصلًا مستقلًا بعنوان: (فصل في بيان ضعف قول من نسب الإمام أبا حنيفة إلى أنه يقدّم القياس على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وفي هذا الفصل يقول: اعلم أن هذا الكلام صدر من متعصّب على الإمام، متهوّر في دينه، غير متورّع في مقاله، غافل عن قوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا﴾، وعن قوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد).
وقد روى الإمام أبو جعفر الشيزهاري (نسبة إلى قرية من قرى بلخ) بالسند المتصل إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: كذبَ والله وافتُرِيَ علينا من يقول عنا إننا نقدّم القياس على النص، وهل يُحتاج بعد النص إلى قياس؟!
وكان رضي الله عنه يقول: نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك أننا ننظر أولًا في دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة، فإن لم نجد دليلًا قسنا حينئذٍ.
وفي رواية أخرى كان يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، بأبي هو وأمي، وليس لنا مخالفته، وما جاءنا عن أصحابه قبلناه، وما جاءنا عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال.
غير ذلك، يكتب الشيخ الشعراني رحمه الله: اعلم يا أخي أنني لم أدافع عن الإمام بمجرد حسن الظن أو الانتصار له كما يفعل بعض الناس، وإنما أجبت عنه بعد التتبع والبحث في كتب الأدلة، ومذهبه هو أول المذاهب تدوينًا وآخرها انقراضًا، كما قال بعض أهل الكشف.
ٱلْٱعْتِرَاضُ الثَّامِنُ:
الاعتراض الثامن هو أنه وفقًا لعلم الحديث فإن أدلة الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الاستدلالات أغلبها ضعيفة.
في الحقیقة، فإن الجواب التفصيلي يكون تحت كل مسألة على حدة، ولكن الجواب الإجمالي هو ما قاله الشيخ الشعراني رحمه الله: لقد تأملتُ في أدلة مذهب الإمام الأعظم أبي حنیفة رحمه الله، فتبين لي أن أدلة الإمام الاأعظم أبي حنیفة رحمه الله مأخوذة من القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، والأحاديث الحسنة، أو الأحاديث الضعيفة التي ارتقت إلى درجة الحسن بسبب تعدد طرقها، ولا يوجد دليل أدنى من ذلك، ومن هنا يتبين أن هذا الاعتراض أيضًا لا أساس له من الصحة، وإذا رُوعيَت الأصول الأولى وثُبِّتت في الذهن، فإن كثيرًا من الاعتراضات تسقط عند أهل الإنصاف.
يتبع…
القسم السابق | القسم التالي
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version