الكاتب: أبو رائف
الاستعمار (القسم السابع عشر)
 
الهجوم على منزلٍ سكنيٍّ في كابول
شنَّت قواتُ الاحتلالِ التابعةُ للولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، في التاسعِ والعشرينَ من أغسطس عامَ 2021م، قصفاً جوياً على منزلٍ سكنيٍّ في منطقةِ شيربور بالعاصمةِ كابول. وفي البدایة، زعمت قواتُ الاحتلالِ أن الغارةَ استهدفت مواقعَ إرهابيةً وعناصرَ من تنظيم داعش، ودافعت عن هذه العملية، غيرَ أنَّه تبيَّن لاحقًا أن القصفَ استهدف منزلًا مدنيًّا، وأسفر عن مقتلِ عددٍ من المدنيين الأبرياء.
وقد استُشهد في هذا الهجوم عشرةُ أفرادٍ من أسرةِ «زمري أحمدي»، كان سبعةٌ منهم من الأطفال. وكانت «البنتاغون» قد ادَّعى أن الغارةَ قد نُفِّذت للقضاء على عناصرَ من تنظيم داعش كانوا يخططون لمهاجمة قوات الاحتلال أثناء عملية الإجلا، إلا أن التحقيقاتِ اللاحقةَ أثبتت عدمَ وجودِ أيِّ عنصرٍ مسلَّحٍ أو هدفٍ عسكريٍّ داخل المنزل، وأن الموجودين فيه كانوا أفرادَ أسرةِ السيد أحمدي وأطفاله فحسب.
صرّحَ «الجنرال كينت ماكنزي»، في القيادةِ المركزيةِ للجيشِ الأمريكي، بأنَّ جميعَ ضحايا تلك الغارة كانوا من المدنيين، مضيفًا أنَّ التحقيقاتِ تشيرُ إلى أنَّ ما حدث كان «خطأً کارثیًّا».
كما قال «لويد أوستن»، وزيرُ الدفاعِ الأمريكي، في بيانٍ رسميٍّ إن غارةً جويةً استهدفت مدنيين.
ورغم وصفِ وزارةِ الدفاعِ الأمريكيةِ لهذا الهجومِ بأنه «خطأ کارثیٌّ »، فإنها نفتْ في الوقت نفسهِ وقوعَ أيِّ جريمةِ حربٍ، مؤكدةً عدمَ وجودِ أدلةٍ على ذلك.
اتهامُ الولايات المتحدة بانتهاك حقوق الإنسان
في نوفمبر عامَ 2014م، اتهمت منظمةُ العفو الدولية، وهي منظمةٌ تُعنى برصدِ انتهاكاتِ حقوقِ الإنسانِ وجرائمِ الحربِ التي ترتكبها الدولُ الضالعة في النزاعات، الولاياتِ المتحدةَ بإخفاءِ أدلةٍ تتعلق بجرائم حربٍ وتعذيبٍ وعملياتِ قتلٍ غير قانونيةٍ في أفغانستان.
تهديدُ الولايات المتحدة باعتقال وفرض عقوبات على فريق التحقيق في جرائم الحرب
في سبتمبر عامَ 2018م، حذَّرت الولاياتُ المتحدةُ باعتقالِ وفرضِ عقوباتٍ على قضاةِ المحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ وسائرِ المسؤولين، في حالِ توجيهِ اتهاماتٍ لأيٍّ من الجنود الأمريكيين المشارکین في العملياتِ العسكريةِ في أفغانستان. كما أعلنت أنها لن تتعاون مع المحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ في حالِ فتحِ تحقيقاتٍ بشأنِ اتهاماتِ جرائم الحربِ المنسوبةِ إلى القواتِ الأمريكيةِ في أفغانستان.
في 12 أبريل 2019م، قررت هيئةٌ من قضاة المحكمة الجنائية الدولية عدمَ البدء في فتح تحقيقاتٍ بشأن أفغانستان. وقدّمت «فاتو بنسودا»، المدّعية العامة للمحكمة، تقريرًا أفاد بوجود «أساسٍ معقولٍ» لوقوع جرائم، إلا أنهم قرروا عدمَ المضيّ قدمًا؛ بسبب عدم تعاون الولايات المتحدة وأطرافٍ أخرى.
وفي مارس 2020م، طالب القضاة الكبار في المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيقٍ في الجرائم الحربية التي ارتكبتها القوات الأمريكية في أفغانستان، كما ألغوا التحقيقات السابقة المتعلقة بدور الولايات المتحدة في ارتكاب تلك الجرائم.
ولا شكَّ أن جرائمَ الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها القوات الأمريكية خلال فترة الاحتلال في أفغانستان كانت واسعةً وكثيرةً إلى درجة لا يمكن حصرها بشكل شامل أو تفصيلي؛ إلا أننا في هذا المبحث عرضنا جزءًا منها على سبيل المثال لا الحصر. وهذه الوقائع هي ما تم جمعه رسميًا من قِبل الجهات الدولية القانونية المختصة، وقد أقرّتها وصدّقتها الأوساط القانونية والحقوقية الدولية.
جرائمُ الحرب التي ارتكبتها القوات البريطانية في أفغانستان
إن جرائمَ الحرب في أفغانستان لم تقتصر على الولايات المتحدة فقط، بعض الدول الأعضاء في حلف الناتو قد ارتكبت أيضًا أفعالًا ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وقد كشفت التحقيقات الدولية الرسمية عن هذه الحقائق. وفي تحقيق مستقل وموثوق أجرته وحدة التحقيقات في هيئة الإذاعة العالمية «بي بي سي»، تم توثيق حالات صريحة لانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم حرب، كما تم كشف حقائق كانت مخفية.
وفي 7 فبراير 2011م، قامت القوات الخاصة الأمريكية في عملية مُسبقة التخطيط باقتحام مديرية «نادعلي» في ولاية هلمند، حيث قُتل شبابٌ غير مسلحين وأبرياء كانوا مجتمعين داخل أحد المنازل. وكان سميع الله ونثار أحمد، وهما ابنا حبيب الله، نائمين في منزلهما، كما كان سبعة أشخاص آخرون قد حضروا لتقديم العزاء والمواساة موجودين في المنزل نفسه. وفجأة هبطت أربع طائرات عسكرية كانت تقل عناصر من القوات الخاصة البريطانية، وبعد وقت قصير قُتل جميع التسعة أشخاص الذين كانوا في بيت الضيافة.
وقد ادعت القوات الخاصة البريطانية أن هؤلاء الأشخاص كانت لهم علاقاتٌ  مع حركة طالبان، وأنهم أطلقوا النار عند دخول القوات إلى المنزل، إلا أن هذا الادعاء، وفقًا لتحقيق «بي بي سي» وفحص الأدلة الموجودة في موقع الهجوم، لم يثبت مطلقا.
أثبتَ فريقُ التحقيق في «بي بي سي»، من خلال تحلیل آثار ِإطلاقِ النار داخل منزلِ حبيبِ الله، وبموافقةِ خبراء الأسلحة في القواتِ الخاصةِ البريطانية، أنَّ عدةَ طلقاتٍ ناريةٍ قد أُطلقت من الأعلى، وهو ما يدلُّ على أنَّ إطلاقَ النارِ كان على الأشخاصِ أثناءَ استلقائهم أو في وضعيةِ الاتكاءِ على الجدار، وليس أثناءَ قتال.
كما كشفَ فريقُ التحقيقِ في «بي بي سي» أنَّ محققي الشرطةِ الملكيةِ البريطانية، وبعد سنواتٍ من حادثةِ إطلاق النار، اطّلعوا على صورِ مکان الجريمة التي التُقطت مباشرةً بعد وقوع الحادث، وتوصّلوا إلى النتيجةِ نفسها. إلا أنَّ الشرطةَ العسكريةَ الملكيةَ رأت أنَّها، بسبب العوائق التي واجهتها من جهاتٍ أخرى، لن تكون لديها فرصةٌ كبيرةٌ لملاحقة أيِّ شخصٍ قضائيًّا.
كان حبيبُ الله، والدُ اثنين من الشهداء وصاحبُ المنزل الذي تعرّض للهجوم، يشهد بأنَّ جميعَ الضحايا التسعة قد أُطلق عليهم الرصاص بوضوح في الرأس أو الصدر، وهو ما يُعدّ من السمات المعتادة لعمليات إطلاق النار المتعمَّد من قِبل عناصر القوات الجوية الخاصة البريطانية من مسافة قريبة.
وكان ما ينقض ادعاءاتِ القوات البريطانية أنَّه لم یُعثر في المنزل إلا على ثلاثةِ أسلحة فقط، في حين كانوا يزعمون أن جميع التسعة كانوا من المجاهدين.
وقد أدّى هذا الأمر، إلى جانب إصرار حبيب الله على أن هؤلاء الأشخاص لم يكونوا مسلحين، إلى تعزيز احتمال أن القوات البريطانية قد استخدمت أسلوب «تدبير الأسلحة» لإظهار أن الضحايا كانوا يحملون السلاح عند مقتلهم رغم كونهم أبرياء.
وقد ازداد هذا الاحتمال قوةً أيضًا من خلال ما توصّل إليه فريق التحقيق في «بي بي سي» من خلال دراسة حالات مشابهة.
یتبع…
القسم السابق | القسم التالي
 
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version