الكاتب: عبیدالله النیمروزي

سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله

(الجزء السابع)

 

الأشخاص البارزون في العصر الأموي وتأثيراتهم الأخلاقية على المجتمع 
بالرغم من الطابع المادي لحكم بني أمية وتأثيراته الطبيعية، فقد بقيت هيبة الدين وآثاره الأخلاقية ظاهرة في حياة المسلمين إلى حدٍّ ما، وكان ذلك بفضل أشخاصٍ من أصحاب المقام الرفيع في الدين والعلم، المشهورين بتقواهم وإخلاصهم وطهارة نفوسهم وعلمهم وفقههم.
كان لهؤلاء الصالحين، خارج دائرة الحكم، تأثيرٌ كبيرٌ ونفوذٌ عميق، وبفضل الاحترام القلبي الذي كان يكنّه المسلمون لهم، نجا كثير منهم من الضلال والانحراف، ولم تجرفهم موجة المادية التي اجتاحت المجتمع.
ومن بين هؤلاء العلماء الربانيين، كان أبرزهم وأكثرهم محبةً وتأثيرًا «علي بن الحسين، زين العابدين رضي الله عنه» الذي لا نظير له في العبادة والتقوى والزهد والورع. ويمكن قياس محبة المسلمين له من خلال هذه القصة:
في يوم من الأيام، جاء هشام بن عبد الملك، أثناء ولايته للعهد، ليطوف بالكعبة، فلم يستطع استلام الحجر الأسود بسبب زحام الناس، فوقف ينتظر حتى يقلّ الزحام.
وفي هذا الوقت، جاء علي بن الحسين رضي الله عنه، فما إن رآه الناس حتى انشقوا له، وفتحوا له الطريق، فطاف بالبيت بكل سهولة واستلم الحجر الأسود وقبّله، وكان كلما مرّ بمكان، تفرق الناس احترامًا له.
عندها اضطرب هشام من هذا المشهد وسأل متجاهلًا: من هذا؟
فردّ عليه الشاعر الأموي المعروف “الفرزدق” بأبيات ارتجالية، ففضح بذلك تجاهل هشام وأظهر مقام علي بن الحسين بما يليق به.
وقصيدة الفرزدق هذه لا تزال محفوظة في كتب الأدب العربي كأثر خالد، وعنوانها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهُ
والبيتُ يعرفهُ والحِلُّ والحرمُ
ويقول المحقّقون: «قد أُضيفت إلى هذه القصيدة أبيات مع مرور الزمان.»
وكذلك من فضلاء أهل البيت رضي الله عنهم، أمثال الحسن المثنى وابنه عبد الله المحض، وغيرهم من الفضلاء كـسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، كانوا قدوات دينية للمسلمين.
فقد رسّخ هؤلاء أسمى معاني الحق والفضيلة بامتناعهم عن مخالطة السلطة، وقطع علاقتهم بجهاز الحكم، وكان لهم أثر بارز في قول الحق، والسعي في طلب العلم، والخدمات الدينية المخلصة، وعلوّ الأخلاق.
ورغم أن التأثير الديني والأخلاقي لهؤلاء العلماء لم يكن كافيًا أمام حملات الدعاية المتزايدة من الدولة، إلا أنه لم يكن عديم الجدوى، إذ ساهم في الحفاظ على قدر من التوازن والاعتدال والاحترام الديني في الحياة الاجتماعية للمسلمين، وظهر من حين لآخر في أعماق الانشغالات الدنيوية نوع من الجذب نحو إصلاح الباطن.
ضرورةُ الثورة في الحُكم ومشاكلُها 
أصبحت تدريجيًا آثارُ الثورةِ السياسية أكثرَ عمقًا واتساعًا، وقلّ عددُ الشخصياتِ الدينيةِ البارزة التي كانت حافظةً لصفاتِ الإسلامِ الأصلية وأخلاقِه، وبقايا القرنِ الأولِ الهجري، شيئًا فشيئًا، واتّسعت دائرةُ تأثيرِ الدولةِ، وأصبحت أقوى.
وفي مثل هذا الوقت، كانت الثورة الدينيةُط والأخلاقية صعبةَ التحقيق دون إحداثِ تغيّرٍ جذريٍّ في نظامِ الحكم؛ لأنّ الدولة الأموية كانت قائمةً على أُسسٍ عسكريةٍ متينة، يصعبُ تغييرُها بسهولة، ولم تكن هناك في ذلك الحينِ أيُّ قوةٍ داخليةٍ أو خارجيةٍ تستطيعُ هزيمة هذا الجيشِ القويِّ في ساحةِ القتال.
وكان في الماضي القريب قد وقعت مُجاهدتانِ عظيمتانِ: الأولى كانت تضحية سيدِنا الحسين رضي الله عنه المخلصة، والثانية كانت مواجهة سيدنا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما الشجاعة بالسلاح، ولكن لم تُؤدِّ إلى نجاحٍ حاسم.
لذلك، لم تكن هناك فرصٌ واضحةٌ لنجاح ثورة مسلحة في ذلك الوقت، وكانت أبوابُ الإصلاح وتغيير نظام الحُكم الوراثي مُغلقة. وكان يُخيّلُ للناس أن مصير المسلمين قد سُدَّ لأجيالٍ قادمة.
وفي مثلِ هذه الحالة، كانت الحاجةُ ماسة إلى معجزةٍ لإعادةِ النصرِ للإسلامِ وتغييرِ الوضع المنحرف، وفعلاً ظهرت تلك المعجزة.
يتبع…

الجزء السابق| الجزء التالي

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version