الكاتب: محمد الأفغاني

إسهام العلماء المسلمين في علم الفيزياء

(الجزء الأول)

المقدمة
إن العلم والمعرفة في الواقع لم تقتصرا على منطقة جغرافية ولم تنحصرا على إيدولوجية، بل إنما العلم والمعرفة تتجاوزان هذه الحدود والقيود، وكانت عموميتهما لكافة البشرية من الأمور اليقينية، ومن جهة أخرى، فإن كل قوم وجماعة نالوا السعادة والسيادة إنما نالوهما بعد أن قرّبوا أنفسهم إلى العلم والمعرفة أكثر فأكثر،  ويستفاد من كتب التاريخ بأن سرّ الخلود للكثير من الأمم والشعوب السابقة كان لارتباطهم بالعلم والمعرفة والاكتشافات، فالعلم والعلوم بمعناه المعاصر يطلق على مجموعة من الفعاليات البشرية والنتائج الحاصلة منها.
وتهدف هذه الأنشطة إلى الفهم والتفسير الكمي أو الكيفي للظواهر المدركة، سواء كانت مادية أو إنسانية أو اجتماعية، وذلك من خلال تقديم نموذج لتحوّل هذه الظواهر من أجل التنبؤ بالأحداث المستقبلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأنشطة وطريقة الاستدلال والاستنتاج هذه، في إطار رؤية خاصة تعرف بالرؤية العلمية، تؤدي إلى فهم الظاهرة من خلال التعرف على سبب حدوثها وتفسيره.
فمن هذا المنظور، فإنّ علم الفيزياء يُعدّ من العلوم الأساسية التي تهدف إلى فهم الظواهر الطبيعية وصياغتها ووضع نماذج لتحولاتها، ويستفاد من التعريف المذكور بأن «العلم» هو مجموعة من الأنشطة على مستوى الفردية والاجتماعية وإن كان أبعاده الفردية – خاصة بالنسبة للعلماء – بارزة ومكتشفة، ومع ذلك فإن أبعاده الاجتماعية – خاصة في العالم المعاصر – لا يمكن انكارها ولا فصلها، والهدف الأساسي في هذا المقال،هو تعريف علم الفيزياء وتقديمه، ثم مناقشة أهميته، وسيتم التركيز بشكل خاص على دور العلماء في تطوير علم الفيزياء منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا، وبعد ذلك، سيتم تناول تأثير العلماء المسلمين ودور الثقافة والحضارة الإسلامية في ازدهار وتقدّم العلوم، وخصوصاً الفيزياء، من منظور تاريخي، وسيُعرض هذا البحث على شكل قائمة تتضمّن الإشارة إلى دور وتأثير العلماء المسلمين البارز في العالم،
وكذلك يتم السعي للتعريف بأبرز علماء الفيزياء المسلمين الذين لعبوا دورًا في تطوير الثقافة والحضارة العالمية، منذ بداية الإسلام حتى القرون الجديدة، ويتضمّن هذا التعريف سيرتهم وإنجازاتهم وتأثيراتهم العلمية على المجتمع العلمي.
وبشكل خاص قد تمكنّ المسلمون في القرون الأولى، بجهودهم الجبارة والدؤوبة، لبناء حضارة متطورة خلال أقل من قرن، والتي امتدت من جزيرة العرب وشمال إفريقيا إلى الصين ومنها إلى إسبانيا، وهذه الحضارة لم تلعب دورًا في الاتساع الجغرافي فحسب،بل كان لها دور مهم في تطوير العلم والثقافة لا سيما في علم الفيزياء.
تلك الثقافة والحضارة التي وصف تعلم العلم والمعرفة بأنه جهاد في سبيل الله، والتي توجد في بعض مكتباتها مثل مكتبة الملكية لأمير قرطبة أربعمائة ألف مجلد من الكتب، وقد جمع المسلمون علومًا مثل الرياضية، والفيزياء، والكيمياء، والهندسة، والطب، والفلك، والملاحة، مع العلوم الروحية مثل الحكمة والعرفان.
وبناءً على ذلك، فإن الدين المبين الإسلامي يشجع المسلمين دائمًا على تحصيل مختلف العلوم، ويعتبر السير في هذا الطريق طريقًا ممهدًا إلى الجنة، وكان للإسلام والمسلمين في كل ميدان وعلم، في تاريخهم كلام يُقال وفكرة تطبّق،  وقد قدّموا في مجال علم الفيزياء، ابتكارات لا تزال الإنسانية مدينَة لها حتى اليوم.  وللإجابة عن سؤال ما هو علم الفيزياء، يجب القول إن الفيزياء هي أحد الفروع الرئيسية للعلوم الطبيعية التي تدرس المادة ومكوناتها، وكذلك كيفية تصرّف المادة وحركتها في الزمان والمكان، بالإضافة إلى ذلك، تدرس الفيزياء مفهومي الطاقة والقوة، وهما مفهومان رئيسيان ومترابطان.
الفيزياء كعلم تقوم بتحليل الخصائص العامة للأجسام وتدرس القوانين الحاكمة لتلك الخصائص. هذه القوانين تعدل حركة أو حالة الأجسام دون أن تُحدث تغييرًا في طبيعتها الأصلية. وبعبارة أخرى، تسعى الفيزياء لفهم القوانين الأساسية التي تحكم جميع الظواهر الفيزيائية، وتكتسب هذا الفهم من خلال الملاحظة والتجربة والاستنتاج الرياضي.
علم الفيزياء هو من أهم الفروع العلمية الأساسية، والهدف الرئيسي منه هو فهم كيفية تصرف العالم، والعالم المتخصص في مجال الفيزياء يُسمى فيزيائيًا.
والفيزياء هي من أقدم التخصصات الأكاديمية، وبفضل دورها وحضورها في علم الفلك، يمكن القول إنها الأقدم بينها. يمكن اعتبار الفيزياء علم استكشاف واستخدام العلاقات والقوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية، والتي تستند أساسًا إلى التجربة والاختبار.
وهذ العلم، يتجاوز دراسة تركيب المادة وعناصرها المكونة، وله ارتباطات عميقة مع باقي التخصصات العلمية، ويعمل كأساس وجذع في جميع مجالات البحث العلمي. وتطبيق الفيزياء ضروري في مجالات متنوعة مثل الطاقة، والضوء، والميكانيكا (بما في ذلك الأجسام الصلبة والسوائل)، والكيمياء، والفلك وعلوم الأرض، وبدونه لن يكون من الممكن تقدم الأبحاث في هذه العلوم.
أهمية علم الفيزياء في تقدم البشرية
ولبيان أهمية علم الفيزياء يكفي أن نقول: جميع العلوم الطبيعية الأخرى تنبع من الفيزياء.
الكيمياء في الأصل هي فيزياء تطبيقية، والأساس أن علم الأحياء هو كيمياء تطبيقية.
النظريات الفيزيائية هي العامل في التقدمات الإلكترونية التي سرّعت من تقدم الحواسيب الحديثة والوسائط الإلكترونية، ولفهم أهمية الفيزياء في تقدم البشرية بشكل صحيح وأفضل، سنكتفي بهذا المثال فقط، فعند دراسة دور الفيزياء في تشخيص الأمراض، سندرك حقيقة أهمية هذا العلم.
يستخدم الأطباء في تشخيص الأمراض أنواعاً من الأدوات البسيطة مثل مقياس الحرارة ومقياس الضغط والسماعة الطبية (الستيثوسكوب)، إلى الأجهزة المعقدة جداً مثل المجهر الإلكتروني، الليزر والهولوجرام، وكلها مصممة ومصنوعة بناءً على قوانين الفيزياء، وهذا، أن الفيزياء حاضرة في كل جوانب حياة الإنسان.
لقد خلق الله تعالى العالم على أساس مبادئ العلوم الأساسية، ومن بينها الفيزياء، وقد استلهم الإنسان هذا الأمر وتمكن من تطوير حياة البشرية بسرعة مذهلة،  وحيثما يظهر أثر التقانة، لا شك أن الفيزياء وقوانينها العجيبة موجودة هناك.
يلعب علم الفيزياء دوراً مهماً في تطور حياة الإنسان، وقد أثرت فروعه المختلفة في تحسين جودة الحياة العصرية الحالية، ومع فهم مكانة الفيزياء وأهميتها في حياة البشر، يتّضح أن اكتساب هذا العلم كان دائماً بارزاً في التاريخ وشمل كل مرحلة زمنية، إن تاريخ علم الفيزياء مرتبط بجوهر حياة الإنسان، إذ كان الإنسان دائماً مشغولاً بهذا العلم للتفاعل الإيجابي مع نفسه ومحيطه ومجتمعه، وفي التاريخ الحافل للإسلام والحضارة الإسلامية، كانت للفيزياء مكانة خاصة، وإن الادعاء بأن علم الفيزياء كان له مقام خاص لدى علماء العالم الإسلامي، يتضح من خلال إسهاماتهم وإنجازاتهم في هذا المجال. فما امتلكه العلماء المسلمون من معارف واكتشافات في الفيزياء يُظهر واقع تلك الفترة، كما يكشف عن حاجة عصرنا الراهن لهذا العلم،
وسنقوم فيما يلي ببيان ومناقشة مساهمة العلماء المسلمين في ميدان الفيزياء، ونسلط الضوء على إنجازاتهم في هذا المجال.
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version