الكاتب: خالد ياغي زهي

حُكم الاحتفال بليلة يلدا وتاريخها

(الجزء العاشر)

 

 

هناك مجموعةٌ من المعتقدات الخاطئة والباطلة المنتشرة حول ليلة يلدا، ومن أبرزها ما يلي:
1- الاعتقاد بشؤم ليلة يلدا:
ينبغي أن يُعلَم أن التشاؤم والتطيّر واعتقاد النحس من الأمور الباطلة والجاهلية، وقد ذمّتها الشريعة واعتبرتها من الشرك؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة»[1].
فبعض الناس، استنادًا إلى المعتقدات الجاهلية لأسلافهم، يعتقدون أن ليلة يلدا ليلةٌ مشؤومة، وأن إله النور (مِهر) يُؤسَر فيها ويتعرّض للأذى من قِبل الأرواح الشريرة، ولذلك يجتمعون ويوقدون النار، معتقدين أن النار تحرق نحوسة تلك الليلة وتقضي عليها!
2- الاعتقاد بزوال الشرور في صباح اليوم الأول من شهر جَدِي/دي:
هذا الاعتقاد لا أصل له في دين الإسلام، ولم يرد أي دليل يدلّ على أن الشرور والمضار تُدفَع في هذا اليوم، بل هو من معتقدات الزرادشتيين، ويجب على المسلم أن يبتعد عن عقائدهم ويتجنّبها، وهذا من أصول إيمان كل مسلم.
3- إشعال النار لدفع الشرور:
وهذا الاعتقاد كذلك من المعتقدات الأساسية عند الزرادشتيين؛ إذ كانوا يعبدون النار، ويعتقدون أنها قادرة على دفع الضرر وجلب الخير، بل كانوا يعدّونها إلهًا لهم، ومن يعتقد اليوم أن النار تدفع البلاء والمصائب فإنه في الحقيقة يعبدها؛ لأنه يظنّ أنها تملك القدرة على دفع البلاء، مع أن أحدًا غير الله لا يستطيع دفع الضرّ عن العباد. قال الله تعالى:  (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)[2]
وقال سبحانه:(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[3]
وقال أيضًا: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[4]
وقال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)[5]
فالذين يعتقدون أن النار التي أوقدوها بأيديهم تدفع البلاء والمصائب وتُبعد الشياطين، إنما يظنون أن للنار تصرّفًا في الكون وقدرةً وإرادةً مستقلة، وأنها تقضي الحاجات وتدفع الأضرار، وهذا باطل.
قال الله تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[6]
فالنار لا تدفع البلاء ولا المصائب، وإنما الذي جعله الشرع سببًا لدفعها هو: الدعاء، والالتجاء إلى الله، والإلحاح عليه، والصبر، والصدقة.
وقال رسول الله ﷺ: «من قال: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي»[7].
فإذا كان رسول الله ﷺ قد علّمكم أذكارًا وأدعيةً تدفع البلاء، فلماذا تلجؤون إلى النار؟ ولماذا تطلبون منها دفع الشرور؟
4- الاجتماع لدفع الشرور والوقاية من الأضرار:
لم تأمر الشريعة بالاجتماع لمجرد دفع الشرور؛ ولو كان مجرد الاجتماع سببًا لدفع البلاء، لما نزل غضب الله على من يجتمعون في الأعراس المختلطة. ولو كان الاجتماع وحده يحلّ المشكلات، لزالت مصائب كثير من الناس، وبطلان هذا القول واضح لكل عاقل.
إنما يكون الاجتماع سببًا للبركة والسكينة ودفع الشرور إذا كان لأجل دين الله، وتلاوة القرآن، وذكر الله، لا للاحتفال بأعياد المشركين وارتكاب المحرمات.
قال رسول الله ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»[8].
وقال الله تعالى:
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)[9]
ولو قيل لهؤلاء الناس: اجتمعوا لتعلّم دينكم وأحكامه، لسارع كل واحدٍ إلى الاعتذار، بينما تراهم يقبلون بحماسة على مجالس اللهو والاحتفال بأعياد غير إسلامية كالنيروز ويلدا، ويتبادلون التهاني!
إن جميع هذه المعتقدات والأفكار المذكورة إنما هي من دين زرادشت وعقائد عبدة النار، ولا يشكّ أي مسلم في حرمتها.
يتبع…

الجزء السابق| الجزء التالي

[1] البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، صحيح البخاري، ج 5، ص ۲۱۷۸، كتاب الطب، باب: لا عدوى، رقم الحديث: ۵۴۴۰، الطبعة الأولى، ۱۴۲۲هـ، دار طوق النجاة.
[2] القرآن الكريم، سورة النمل، الآية: ۲۵.
[3] القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية: ۱۷.
[4] القرآن الكريم، سورة يونس، الآية: ۱۰۷.
[5] القرآن الكريم، سورة الزمر، الآية: ۳۸.
[6] القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية: ۱۷.
[7] السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، ج ۴، ص ۴۸۴، كتاب الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، رقم الحديث: ۵۰۹۰، دار الفكر.
[8] السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، ج ۱، ص ۵۴۴، كتاب الوتر، باب: في ثواب قراءة القرآن، رقم الحديث: ۱۴۵۷، دار الفكر.
[9] القرآن الكريم، سورة الكهف، الآية: ۲۸.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version