الكاتب: خالد ياغي ‌زهي

حكم الاحتفال بليلة يَلدا وتاريخها

(الجزء الثامن)

 

يلدا في ميزان الشريعة:
يروي أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول: «قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر»[1].
ولو تأملنا في هذا الحديث لوجدنا أن النبي ﷺ نهى أهل المدينة عن الاحتفال بيومين كان أسلافهم يحتفلون بهما، وبيّن لهم أن في دينهم يومين آخرين جعلهما الله عيدًا. ولم يُبدِ الصحابة رضوان الله عليهم أي اعتراض، ولم يقولوا: هذا من ثقافتنا وعادات آبائنا ولا نستطيع تركه، بل خضعوا جميعًا لأمر رسول الله ﷺ، وتركوا أعيادهم القومية، واكتفوا بالأعياد التي شرعها الإسلام لهم.
بل علّمهم النبي ﷺ أن الأعياد والاحتفالات من الخصائص المميِّزة لكل دين، ولذلك نهاهم عن أعيادهم القومية، وأمرهم بالتمسك بما هو خير مما أبدلهم الله به، وقد استعمل ﷺ لفظ «أبدلكم»، وهو من مادة التبديل، أي ترك شيء وأخذ غيره بدلًا عنه، وترك أمر والعمل بآخر، وترك العيد القومي وإقامة العيد الإسلامي، وترك الاحتفال بالنيروز ويلدا، والاكتفاء بعيد الفطر وعيد الأضحى. ويقول رسول الله ﷺ:«إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدُنا»[2]
أي إن الأعياد والاحتفالات تدخل في دائرة خصوصيات كل دين، ولا يجوز لأحد أن يتبع خصائص أديان أخرى، بل إن دين الإسلام له أعياده الخاصة كما جاء في هذا الحديث والحديث السابق. ومن الواضح إذن أنه لا يجوز اتباع الديانة الزرادشتية في أعيادها، كما لا يجوز اتباعها في سائر خصائصها، وهذه مسألة خطيرة يجب على كل مسلم أن يجتنبها.
وقد يقول بعض الناس: إن ليلة يلدا ليست عيدًا! والجواب عن هذا الادعاء سهل جدًا:
أولًا: إن هؤلاء أنفسهم – في الغالب – يسمون النيروز عيدًا، ويطلقون عليه اسم «عيد النيروز»، فكيف تعدّون النيروز عيدًا ولا تعدّون يلدا عيدًا؟
ثانيًا: إن كلمة «عيد» كلمة عربية، ومعناها الرجوع والتكرار، ومن هذا الأصل جاءت كلمات: عود، وعائد، وكلها تدل على التكرار. وسُمّي العيد عيدًا لأنه يتكرر كل سنة. قال ابن الأعرابي، وهو من علماء اللغة: «سُمِّيَ العيدُ عيدًا لأنه يعود كلَّ سنةٍ بفرحٍ مُجدَّد»[3].
فدعوى من يقول: إن ليلة يلدا ليست عيدًا دعوى باطلة؛ لأن يلدا – كالنيروز – تتكرر كل سنة، ويقع فيها الفرح والسرور، ويعظّمها الناس عن جهلٍ منهم. مع أن الفرح بمثل هذه الأمور الباطلة فرحٌ لا قيمة له، وإنما الفرح الحقيقي هو الفرح بحلال الله وأوامره، كما قال تعالى:
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[4].
فالفرح الحقيقي هو الفرح بدين الله، وبطاعة أوامره، وبالابتعاد عن الكفر والحرام والبدع:
(فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)
لا بالاحتفال بأعياد تخالف دين الله، وقد نهى الله ورسوله عنها، ولا بالاحتفالات التي تعود إلى أديان غير إسلامية، وتشتمل على كثير من المحرمات.
فالعيد هو الفرح بهذه النعم: الفرح بالدين، وبالابتعاد عن البدع والخرافات. قال الإمام ابن عابدين رحمه الله تعالى: «سُمِّيَ العيدُ بهذا الاسم لأنَّ لله تعالى فيه عوائدَ الإحسان»[5]
أي لأن نعم الله وإحسانه تتجدد فيه كل سنة، فالفرح الحقيقي هو الفرح بالتمسك بسنن رسول الله ﷺ وإحيائها، وكل يوم لا تُعصى الله فيه فهو يوم عيد لك.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1]. السجستاني، أبوداود سليمان بن الأشعث، ج۱، ص۴۴۱، الصلاة، باب صلاة العيدين، رقم الحدیث: ۱۱۳۶، الناشر: دار الكتاب العربي-بيروت.
[2]. النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، ج۳، ص21، صلاة العیدین، باب الرخصة فى اللعب الذى لا معصية فيه فى أيام العيد، رقم الحدیث: ۲۰۹۸، الناشر: دار الجيل بيروت + دار الأفاق الجديدة-بيروت.
[3]. الزَّبيدي، محمّد بن محمّد بن عبدالرزّاق الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، ج۱، ص۲۱۴۷، باب الدال المهملة، عود، دار إحیاء التراث العربی-بیروت.
[4]. سورۀ یونس، آیه: ۵۸.
[5]. الدمشقي، محمد امین بن عمر، ردالمحتار علی الدرالمختار، ج۶، ص۱۳۸، کتاب الصلاة، باب العیدین، درالمعرفة-بیروت.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version