الكاتب: المفتي نصرت الله عصمتي

الدنيا في مرآة الحقيقة

(الجزء الأول)

 

الخلاصة
يتناول هذا المكتوب ماهيّة الدنيا في رأي القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويّةِ وأقوالِ الصحابةِ والتابعين وعلماءِ الإسلام، ويتضمَّنُ هذا الأثرُ أقسامًا متعددةً تُحلِّلُ بتفصيلٍ الجوانب المختلفةَ للدنيا وعلاقتها بالآخرة.
وفي فصولِ هذا المكتوب، تُقدَّم الدنيا كوسيلةٍ لاختبارِ الإنسان، ويُؤكِّدُ على أهميةِ الزهدِ، والابتعادِ عن الطمعِ، والتركيزِ على حياةِ الآخرةِ الخالدة، كما يُشبِّه الدنيا بالسرابِ الذي يُغري الإنسان ويَخدعه.
ويتضمّن هذا البحث أيضاً أقوال الصحابة والتابعين حول الدنيا والزهد، ويُقدّم حلولاً لعلاج حبّ الدنيا، وفي النهاية، يهدف هذا الكتاب إلى مساعدة القارئ على إيجاد التوازن بين الحياة الدنيوية والروحية، واستلهام العيش وفق القيم الإلهية.
ونظراً لغِنى المصادر وعمق المواضيع، فإنّ هذا الأثر لا يقتصر نفعه على الطلاب وطلبة العلم، بل يمكن أن يكون مُلهِما وهاديا لعموم المسلمين.
المقدمة
الدنيا اسم لدار فانية وزائلة ينشغل الإنسان فيها بالحياة، ولكن ينبغي أن نعلم أنّ هدف خلق الدنيا ليس لمجرد العيش فيها، بل إنّ للدنيا هدفاً أسمى قد أشار إليه القرآن الكريم بوضوح في قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، فميزان النجاح والاعتدال للإنسان في الدنيا يكمن فقط في طاعة الله تعالى، ومن خرج عن هذا الميزان، فلا شك أنّه قد سلك طريق الضلال والهلاك الروحي، وسيُفسد مصيره الحسن، ومن الأسباب الرئيسة للانحراف عن طريق الطاعة، محبة الدنيا؛ كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة«، فهذا الحديث الشريف يُبيّن بوضوح أنّ الثبات على الدين وسلوك طريق الاعتدال لا يتحقق إلا بالابتعاد عن محبة الدنيا، وفي هذا السياق، يقول مولانا جلال الدين الرومي: الحرص إذا ستر الشمس، فلا عجب أن يُعرض عن البرهان.
هذه الحقيقة من المسلّمات في أقوال كبار أهل الدين، رحمهم الله، وهي أنّ محبة الدنيا هي مصدر جميع الأمراض الروحية والأخلاقية، فهي مرض شامل يصيب الرجال والنساء على حد سواء، وقد سُمّيت بحقٍ «أمّ الأمراض». فمن هذا المرض تنشأ الفساد والحروب، فلو لم يكن في قلب الإنسان حرص ومحبة للدنيا، لما وُجد الظلم، ولا اغتصاب الأموال، ولا النزاعات، ولا الحروب، إذ أن كثيراً من الأفعال السيئة، مثل السرقة، والنهب، والظلم، وعدم مراعاة حقوق الله وحقوق العباد، ترجع جذورها إلى هذا الحرص ومحبة الدنيا.
من تمكّنت محبّة الدنيا من قلبه، لا يتورّع عن شيء، ويسعى دوماً لإشباع شهواته ونزواته النفسية. فلا يخاف من المعصية، ولا يميل إلى فعل الخير، لأن محبة الدنيا ومحبة الآخرة أمران متضادان، لا يجتمعان في قلب واحد، كما قال سهل أبو الحسن رحمه الله: «مثل من يريد الجمع بين الدنيا والآخرة كمثل عبد له سيّدان، لا يدري أيّهما يُرضي».
وهذا المكتوب الموسوم بـ«الدنيا في مرآة الحقيقة» يسعى إلى كشف حقيقة الدنيا بالاعتماد على آيات القرآن، وأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأقوال كبار أهل الدين رحمهم الله، ليُبيّن كيف يمكن السير في طريق السعادة ورضا الله تعالى من خلال الابتعاد عن محبة الدنيا.
ما هي الدنيا؟
الحياة التي يعيشها الإنسان منذ لحظة ولادته إلى حين وفاته، بكلّ آثارها ولوازمها واعتباراتها، تُسمّى الدنيا. والعيش في هذا العالم فرصة لجمع الزاد والعدة للآخرة، ولكن إذا تعلّق الإنسان بأمور الدنيا، وانصبّت رغباته على هذا الدار الزائل، انصرف عن الآخرة، وتكوّنت بينه وبين ربّه حُجب من الظلمة. وفي هذه الحال، تُحجب الحقيقة عن بصره، وتُشوّه التعلّقات الدنيوية المقام الحقيقي للإنسان.
وعلى رأي كثير من الناس، يُعدّ الوصول إلى اللذّات والرغبات الدنيوية أعلى درجات السعادة، ولذلك يسعون إلى زيادتها دون أن يبالوا بكيفية الوصول إليها، وهذا الرأي يجرّ الإنسان إلى الغفلة عن حقيقته الوجودية، ويجعله متعلّقاً بالدنيا ولذّاتها فقط. وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»
أما الذين أسلموا قلوبهم لله، فإنهم لا يجدون محبتهم وأُنسهم إلا في عبادته وطاعته، ولا يأخذون من الدنيا إلا قدر الضرورة، لأنهم يعلمون بوضوح أنّ الدنيا وكلّ ما فيها زائل.
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version