الكاتب: سید مصلح الدین

الصلاة ومكانتها في الإسلام

(الجزء الثاني)

 

الإنسانُ مخلوقٌ غامض ومتناقض
لقد وردت في الكتب السماوية عباراتٌ وإشاراتٌ شهد لها العلم والتجربة بصحتها، وقد تناولت وصف هذا المخلوق وطبيعته التي خلق عليها، وما تتكوَّن طبيعته من أمورٍ متضادةٍ ومحدودة، فمع كثرة المخلوقات والكائنات الموجودة، لا يوجد مخلوقٌ أدقُّ وأعمقُ وأعجبُ وأكثر غموضاً وتناقضاً في الخلقة من الإنسان.
رغم أنّ الإنسان مخلوق ضعيفٌ، لكنَّه يُحبُّ القوَّةَ والغلبة، وهو فقيرٌ ومحتاجٌ، ومع ذلك يحبُّ المالَ والثروة. يخضعُ لقانون الموتِ والفناء، ولكنَّه يَسعى وراءَ الخلودِ والبقاء. هو مُعرَّضٌ للأمراضِ والتهديدات، وفي الوقتِ نفسِه مولَعٌ بالصحةِ والعافية. هو عجولٌ قليلُ الصبرِ، ومن جانبٍ آخر طمَّاعٌ طمُوح. هو ذو حاجاتٍ كثيرةٍ ورغباتٍ دقيقةٍ وأفكارٍ عميقة، ومع ذلك فهو بعيدُ النظرِ عاليُ الطموح. لا يَشبعُ، لكنه يَكره الأشياءَ القديمةَ ويَمَلُّ منها، ويسعى إلى المزيدِ والتجديد. يَزهَدُ فيما هو موجودٌ ومُتاح، ويَتطلَّعُ إلى أشياءَ جديدةٍ غير موجودة. حاجاتُه وأمانيه أكثرُ من عددِ أنفاسِه، وأطولُ من عمرِه وحياتِه، وأعظمُ من أن تحتويها هذه الدنيا. في هذا التناقضِ العجيبِ والصراعِ الشديدِ والطموحِ والجَشعِ والطَّلبِ، يكمنُ سرُّ الشرفِ والكرامةِ والاجتباءِ والخلافة، ولهذا تحمَّل الأمانةَ التي أشفقتْ منها السماواتُ والأرضُ والجبال.
قال الله تعالى: (فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ)، ولهذا استحقَّ الخلافةَ في الأرض، وبلغَ منزلةً رفيعةً يَغبطهُ عليها الملائكةُ المقربونَ والكرّوبيون.
الإنسان مخلوقٌ أليفٌ ومحبٌّ
إن طبع الإنسان مجبولٌ على الأُلفة والمودّة، وقد مُنِح، إلى جانب الحواسّ الخمسة التي ينتفع بها ويستخدمها، حاسّة سادسة وهي حاسّة المحبّة والمودّة، وهذه الحاسّة قد تضائل فتختفي، وقد تقوى فتظهر، ولا يُحرَم منها أحدٌ حرمانًا تامًّا، إلا من سُلب القدرة وانحرف عن الفطرة، وأصبح بمنزلة الجمادات. فالإِنسان إذًا مخلوق محبٌّ ذو عاطفةٍ قويّةٍ وحسّاسة، وله ميلٌ فطريٌّ نحو الجمال والكمال، وهذا الميل لا يُرى في سائر المخلوقات من الحيوانات والجمادات، ومن أجل هذه الصفة، يُضحّي الإنسان بنفسه وعاطفته ومشاعره ومحبّته وتفانيه، بطريقة لا يُضحي بها لأيّ صفةٍ أخرى. وشاهد هذا الكلام، القصص والحكايات عن العشّاق والمُحبّين، الذين لم يخلُ منهم أيّ زمن أو مجتمعٍ، وكذلك حياة العارفين وأصحاب القلوب من أمم الأنبياء، وما قيل فيهم من غزلٍ، وما كتب الأدباء المملوؤون بالعاطفة والمشاعر، مما تمتلئ به مكتبات الأدب في العالم، كلّها شاهدةٌ على هذا المعنى.
خُلق الإنسان علی فطرة التواضع
كما يمتلك الإنسان غرائز فطرية، كذلك توجد فيه خصائص كالتواضع والخضوع والخشوع، وهذه الغرائز ظاهرةٌ في جميع العصور التاريخية وطبقات المجتمع الإنساني.
كان الإنسان في مراحل نشأته الأولى يركع أمام الصخور والأشجار (ولا تزال آثار ذلك حاضرة في كثير من المجتمعات)، وكان يعبد النار والشمس والقمر والنجوم، وكان يخضع لمظاهر الطبيعة وظواهر الوجود، ويركع لخدام المعابد والكهنة ورجال الدين والرهبان والجن والأرواح، وكان يستسلم لكل ما يعجز عن فهمه ويصعب عليه إدراكه بدقة. وحتى اليوم، ورغم انتشار الثقافة وتقدم العقلانية وادعاءاته العظيمة، ورغم الكبرياء والتفاخر والثورات العديدة، يظل الإنسان خاضعًا ومتواضعًا أمام الحكّام والملوك وقادة الأحزاب ورؤساء الحكومات والأنظمة والفلسفات من صنع البشر،  وقد أصبح في عصر نبوغه وحضارته، ينظر بحرص وتقديس إلى المبدعين والعباقرة والشعراء والأدباء والفنانين، وإلى كثير من المفكرين والمشرعين والأثرياء وأصحاب النفوذ، لذا، فالفطرة تجعل الإنسان مخلوقًا مولعًا ومحبًا وخاضعًا ومتواضعًا.
الحاجة إلى قدوة سامية
إنّ الإنسان يحتاج إلى قدوةٍ ساميةٍ في الجمال والكمال والقوة والعزة والعظمة والغموض والسيطرة والنفوذ لتُشبعه غريزته الفطرية وتلبّي رغباته وأغراضه.
العلاقة المعتدلة والمعقولة بين الإنسان والله تعالى
إذا تأمّل الإنسان في صفات ربه التي ذُكرت سابقًا، مثل القدرة والعلم والرحمة والكرم والإجابة والقرب، وجميع الصفات العُليا والأسماء الحسنى التي وردت في القرآن الكريم، وتأمل أيضًا في صفاته كمخلوق، مثل الضعف والحاجة، ونظر في طموحه وتطلّعه العالي الذي لا يُضاهيه فيه أي مخلوق، وتأمّل في حرصه وطمعه في نيل الأمور المادية أو المعنوية، والذي لا يوجد مثله في سائر المخلوقات، ونظر في حاجاته المتنوعة والدقيقة ورغباته اللامحدودة، ثم تأمّل في فطرته على المحبة والمودّة والتواضع والخضوع، فحينئذ لا بد أن يتساءل: أليس من الواجب على هذا الإنسان – بصِفاته هذه – أن يكون دائم التواضع والركوع والسجود والمناجاة والدعاء بين يدي الرب الحق، الكريم المطلق، الذي أعطاه كل ما طلبه بلسان حاله أو مقاله؟ كما قال الله تعالى: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا).
الرب الذي يعلم الأفكار والمشاعر الدقيقة والخفية، وهو عليم بالأماني والأحلام الدفينة التي نسيها الإنسان أو تركها أو يئس من تحقيقها، تلك الأماني التي تسكن القلب فيشعر بها دون أن يشاركه العقل فيها،  وقد قَال اللهُ تَعَالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ).
و«يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» و«وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى» فهو ذات مجيب وسميع أقرب إلى الإنسان من أيّ شيء آخر: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ».«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ». «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ.»
الذاتُ الذي يحب العبدَ الذِي يُلِحُّ عَلَيه في الدعَاءِ وَيَتَوَسَّلُ إِليهِ، أَكثَر مِنَ الإِنسانِ المتَكبر المُستَغنِي السَّاكِتِ.
«وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»  «ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ».
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version