الكاتب: السید مصلح الدین

الصلاة ومكانتها في الإسلام

(الجزء الأول)

 

الخلاصة
إنّ الصلاة في مَدرسة الإسلام البنّاء للإنسان والمانحة للحياة، تحمل مفاهيم عميقة وأسرارًا كثيرة وآثارًا مباركة عظيمة، فهي الحبل المتين الذي يربط كيان الإنسان بالملكوت الأعلى. إنها تُحيي الأرواح، وتمنح الحياة الخالدة صفاءً، وهي نور الطريق للسائرين، وملاذ السالكين، ومناجاة العارفين، ورأس مال المحتاجين، ودواء الآلام التي لا دواء لها، ونور قلوب اليقظين، ومصدر فرح للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لصلاة السحر.
والصلاة هي أوّل فريضة فرضت في الإسلام، وآخر فريضة تبقى على عاتق الإنسان حتى آخر لحظات حياته، ولا تسقط عنه بحالٍ من الأحوال، ويكفي في بيان أهميتها أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة قرة عيني، ومحبوبتي ومطلبي.»
ثم إن الصلاة، مع ما لها من الفضائل والآثار التربوية العظيمة وغالبًا الفريدة، لها أيضًا آثار صحية مهمة وشفائية، فالراحة النفسية والروحية، وكذلك آثارها الأخلاقية والتربوية على الناس، هي من الجماليات الظاهرة لخصائص الصلاة الصحّية والعلاجية.
وهي وسيلة لارتقاء الروح، وتُنشئ في المصلي روح الخضوع والخشوع، وتُهذّب طبيعته المتجبرة، فالصلاة تُصلح حال المصلي وتمنعه من الوقوع في الفحشاء والمنكر، حتى إن الصلاة إذا كانت الصلاة تتضمن بعض مراتب الروح فقط، فإنها تؤثّر بقدر ما فيها، ومن بركات الصلاة التي لم تذكر كثيرًا أو نادرًا ما تم التركيز عليها، دورها في شفاء الأمراض النفسية والجسدية، أو تقليل آثارها السلبية.
المقدمة
إن ذِكر اللهِ هو أفضل وسيلةٍ لِضَبطِ النفس وكبحِ الغرائز الجامحة ومَنعِ رُوح الطغيان. فـ«المُصلّي» دائمُ الذكرِ للهِ تعالى، ذلك الإلهُ الذي يَعلمُ بكلّ أعمالِنا صغيرةً كانت أو كبيرة، وهو العليمُ بما في زوايا نفوسِنا وخَفايا أفكارِنا، وأقلُّ أثرٍ لذِكر الله أنّه يُهذِّبُ النفسَ ويُعدِّلُ أهواءها، كما أن الغفلةَ عن ذِكر الله، والجهلَ بثوابهِ وعقابه، يُؤدّي إلى ظُلمةِ العقلِ وضعفِ بَصيرته.
فالإنسانُ الغافلُ عن الله لا يتأملُ في عواقب أفعالهِ ولا يُدركُ حدودًا في إشباعِ رغباتِه ونزواتِه، لكن الصلاة تُعيدُه إلى ذِكر الله خمسَ مراتٍ في اليوم، فَتُزيلُ غبارَ الغفلةِ عن روحِه ونفسِه.
وبحقّ، فإنّ الإنسانَ الذي تتجذّرُ الغرائزُ في كيانِه، لا يجدُ أفضلَ من ذِكرِ اللهِ، وذِكرِ عقابِ المذنبين، والحسابِ الدقيقِ الذي لا يخطئ، لضبطِ هذه الشهوات. ومن هنا، يُبيّنُ القرآنُ الكريمُ أنَّ من أسرارِ الصلاة ذِكرُ الله عزّ وجلّ: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي».
الحاجة إلى فَهم العلاقة بين العبد وربّه
إنّ فَهمَ حقيقة الصلاة، وحاجة الإنسان إليها، والإحساس بلذّتها لا يكون ممكنًا إلا لمن أدرك تلك العلاقة العجيبة والفريدة التي تربط بين العبد وربّه. إنّها علاقة غريبة لا مثيل لها، ولا يمكن مقارنتها بالعلاقات التي توجد بين شخصين أو بين إنسانين، فلا تُقاس بعلاقة الصانع والمصنوع، ولا بعلاقة الحاكم والمحكوم، ولا بين القوي والضعيف، ولا بين المحتاج والغني، ولا بين السائل والكريم المعطي، بل إنّها أعمق وأدقّ وأقوى وأوسع من جميع هذه العلاقات.
العلاقاتُ تنبع من الصفات وتَتبعُها
إنّ هذه العلاقةَ العجيبةَ والفريدةَ التي تربطُ بين العبدِ وربّه، لا يُمكنُ إدراكُها وفَهمُها إلّا لمن يَفهمُ صِفَتَي «العبد» و«الرّب»؛ لأنّ العلاقاتِ دائمًا تابعةٌ للصفاتِ ومُنبثقةٌ منها، فلا يستطيعُ الإنسانُ أن يُحدِّد العلاقةَ بين شخصَين إلّا إذا أدركَ صفاتَ كلٍّ منهما، وعَرفَ الفَرقَ أو التفوّقَ بينهما، ومقدارَ حاجةِ كلٍّ منهما إلى الآخر، ومدى تفوّقهما أو تفاوتِهما، فجميعُ العلاقاتِ التي نُعاشرُها في الحياة، من العلاقاتِ القانونية، والمدنيّة، والاجتماعية، والتي تربطُ أجزاءَ المجتمعِ بعضَها ببعض، إنّما تَقومُ على صفاتِ وخصائصِ الأفرادِ والمخلوقاتِ وأفرادِ الأسرةِ أو الحكّام، وهذه الصفاتُ نَعرفُها أو نظنُّ أنّنا نَعرفها.
أسماء الله وصفاته ومكانتها في الدين والقرآن
إنّ الكتب السماوية والأديان والشرائع، قبل أن تتناول العلاقة بين العبد وربّه، وقبل أن تدعو إلى العبادة وتقوم بتشريع الأحكام والفرائض وتحثّ على الطاعة، بدأت أوّلًا ببيان الصفات، حيث نجد أن في جميع الأديان السماوية، كان الحديث عن العقيدة مقدّمًا على الحديث عن العمل والعبادات والأحكام. وجميع الأنبياء الربانيين، في مختلف العصور والأماكن، دعوا إلى العلم والمعرفة الصحيحة قبل دعوتهم إلى أي أمر آخر، وبيّنوا صفات الله تعالى على وجه الحقّ، ودعوا إلى التنزيه والتقديس، وقد شغلت مسألة الصفات الإلهية معظم أوقاتهم وجهودهم، وكانت لها مكانة عظيمة في كتبهم ودعواتهم، وقد قاموا في هذا السبيل بجهاد أكبر.
والقرآن الكريم، الذي هو خاتم جميع الكتب السماوية وهو كتاب خالد، أعظم دليل على هذا الادعاء، إذ إن موضوع الأسماء والصفات والعقيدة قد تكرر فيه مرارًا وبأساليب متنوعة، وهو يشكّل الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب المعجز، وسورة الإخلاص، على الرغم من قصرها واختصارها، فإنها بسبب بيان هذا الموضوع فيها بصراحة وقوة، عُبِّر عنها بأنها تَعْدِل ثُلُثَ القرآن.
وفي القرآن الكريم، ذُكِرت صفات الله وأسماؤه الحسنى وأفعاله العظيمة التي تدلّ على القدرة والقوة، والخلق والإبداع، واللطف والرحمة، والمودّة والرأفة، والعفو والكرم، والعطاء والمنع، والضر والنفع، والعلم والمعرفة، والقرب والإحاطة، والقبول والاستجابة، كلها تُعَرِّف ذات الله سبحانه بأنه النموذج الأعلى للجمال والعظمة والكمال والجود. قال الله تعالى:  (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). تلك التي تُفرد ذات الباري تعالى في الصفات الحسنى والجميلة: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version