لكي تحدد أي ديانة أصولها وأسسها، فإنها تدرس عددًا من المعايير وتقدمها لتمييز أتباعها عن الآخرين. لقد قام المعتزلة أيضًا بتحديد أصول وضوابط لكي يتمكنوا من فصل أتباعهم عن الآخرين، وبناءً على ذلك، يتم تشخيص أي شخص يدعي أنه معتزلي. في هذا القسم، نريد أن نتحدث عن هذه الأصول والمسائل المتفرعة عنها.
أصول المعتزلة الخمسة:
لدى المعتزلة أصول وقواعد ومبادئ يعتقدون بها، إنهم يؤمنون بأن الشخص الذي لا يلتزم بهذه الأصول والقواعد لا يعتبر معتزليًا، كما كتب أبو الحسين الخياط المعتزلي في هذا الصدد: لا يستحق أحد اسم الاعتزال إلا إذا اعتقد بالأصول الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عندما توجد هذه الصفات الخمس في شخص ما، فهو معتزلي.
لدى جماعة المعتزلة أصول مشتركة هي مصدر معرفة الاعتزال. من يحترم هذه الأصول ويلتزم بها يثبت اعتزاله، ومن يبتعد عنها فكأنه تراجع عن مذهب الاعتزال. يكتب صاحب كتاب «المعتزلة»: يقوم أساس الاعتزال على خمسة أصول عامة، من يعتقد بها جميعًا فهو معتزلي، ومن يزيد عليها شيئًا أو ينقص منها، ولو كان أحد الأصول، لا يُقال عنه معتزلي. وهذه الأصول مرتبة حسب الأهمية والمكانة على النحو التالي: (التوحيد-العدل-الوعد والوعيد- المنزلة بين المنزلتين-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
من يعتقد بهذه الأصول، ثم يخالف بقية المعتزلة في الفروع، لا يخرج من جماعة الاعتزال.
يكتب القاضي عبد الجبار عن هذه الأصول: «إذا سُئلت عن مسائل معرفتها لازم في أصول الدين، فقل لهم: أصول الدين خمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. مدار الدين وأساسه مبني على هذه الأصول، ومن يخالف هذه الأصول يرتكب خطأً كبيرًا جدًا، وقد يصل إلى حد الكفر أو يصبح فاسقًا بفعله هذا. عندما تعرف هذه الأصول، يجب عليك بعد ذلك أن تدرك الفهم والفقه أيضًا».
على الرغم من أن هذه الأصول خمسة، إلا أننا في هذا القسم من المقال، سنحاول بيان الأصل الأول مع المسائل المتفرعة عنه عند المعتزلة وأهل السنة والجماعة:
الأصل الأول: التوحيد
التوحيد في اللغة يعني الإيمان بالله تعالى واحدًا لا شريك له. هذه الكلمة مشتقة من المادة «وحّد يوحد توحيدً» وتعني «اعتبار الشيء منفردًا وجعله واحدًا». «وحّد الله»: «جعل الله واحدًا، وأقر بالتوحيد. آمن بوحدانية الله. قبل التوحيد.
التوحيد في اصطلاح المتكلمين عبارة عن: العلم بأن الله تعالى واحد لا شريك له، ولا يشاركه أحد في صفات النفي أو الإثبات بالقدر الذي يستحقه الله، والإقرار بذلك.
بالنظر إلى التعريف السابق، يتضح أن المقصود بالتوحيد عند المعتزلة هو أن الله تبارك وتعالى واحد لا ثاني له في القدم والألوهية، ولا يوجد له شريك أو مثيل في الصفات التي تثبت له أو تنفى عنه، مع العلم بذلك والإقرار بالوحدانية وعدم اتخاذ شريك له تعالى، ومن لم يحقق هذين الشرطين لا يسمى موحدًا.
يكتب القاضي عبد الجبار (أحد العلماء البارزين والمدافعين المشهورين عن المعتزلة) عن هذا التعريف: «يجب أن يتوفر هذان الشرطان: العلم والإقرار؛ لأنه إذا علم الشخص ولم يقر، أو أقر ولم يعلم، لا يسمى موحدًا».
أصل التوحيد هو أحد الأصول التي يقوم عليها مذهب المعتزلة. إنهم يعتبرون أنفسهم أعلى جماعة بين الجماعات الإسلامية من حيث الإيمان بالتوحيد والدفاع عنه في مواجهة الأديان والمذاهب التي تؤمن بوجود أكثر من معبود، وهذا الدفاع يتم من خلال المناظرات والكتب والرسائل العميقة والواسعة التي كتبوها في هذا المجال ردًا على أصحاب هذه الأديان والطوائف. بسبب تشدد المعتزلة في أصل التوحيد، فقد نفوا تمامًا بقية صفات الله تعالى؛ لأن هذا الشيء يؤدي – حسب زعمهم – إلى تعدد الآلهة، وعلى هذا الأساس خالفوا عقيدة السلف التقليدية والقائلة بقدم القرآن، وادعوا أن القرآن مخلوق، وقاموا بتأويل الآيات القرآنية التي ظاهرها يدل على أن الله تعالى يتجسد يوم القيامة، واعتبروا الرؤية مستحيلة وكفروا القائلين بها، ولأن المعتزلة يؤمنون بوحدانية الله تبارك وتعالى، ويعتقدون أن القدم هو أحد الأوصاف الخاصة بذاته تبارك وتعالى، فقد دخلوا في نزاع وجدال مع كل مذهب وكل قول يتعارض مع مبدأ وأساس الوحدانية.
لقد عطل المعتزلة جميع الصفات التي تستحقها في هذا الباب لإثبات وحدانية الله تبارك وتعالى ولتنزيهه وتقديسه عن تعدد القدماء. هذه المسألة تدل على أن التوحيد عند المعتزلة يختلف عن التوحيد الذي يعتقده ويؤمن به سائر أهل السنة والجماعة. يختلف المعتزلة مع أهل السنة والجماعة في مسائل التوحيد في عدة مسائل نذكرها فيما يلي: إنكار الصفات
في القرآن الكريم آيات تثبت صفات الله تعالى، مثل القدرة والعلم والإرادة، وكل اسم من أسماء الله تعالى يدل على صفة من صفاته. الصحابة والذين جاؤوا من بعدهم آمنوا بهذه الصفات دون أن يسألوا عن كنهها وحقيقتها وكيفيتها؛ والدليل على ذلك: لم يثبت بأي طريق، سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا، أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الرغم من اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى إحدى الصفات التي وصف بها الرب نفسه في كتابه، أو بينها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل إنهم جميعًا عرفوا معاني الصفات والتزموا الصمت حيالها. عندما لم يتحدث السلف عن الصفات ولم يقولوا شيئًا عنها، فمن أين نشأت هذه المشكلة؟ أول من تحدث عن الصفات في الإسلام هو «جعد بن درهم»، فقد نفى الصفات وقال بخلق القرآن. بعد ظهور الجهمية، وعندما ظهرت المعتزلة، كان من بين الأشياء التي أخذوها عن الجهمية هو أنهم كانوا ينفون الصفات، والدليل على ذلك أن مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء كان ينفي الصفات، وكان يعتقد أن إثبات الصفات لله تعالى يؤدي إلى تعدد القدماء، وهذا شرك؛ ولهذا كان يقول: «من أثبت لله معنى أو صفة قديمة، فكأنما أثبت إلهين».
خلاصة الكلام في رأي المعتزلة هو أن هدفهم جميعًا واحد، وهو نفي إثبات صفات الله تعالى حقيقة في الذات، وأن هذه الصفات منفصلة عن ذات الله تعالى.
رأي أهل السنة والجماعة في الصفات
رأي أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى بشكل عام هو أنهم يثبتون جميع الصفات لله المتعال ويجرونها على ظاهرها؛ لأن الله المتعال نفسه أو رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بينوا هذه الصفات والأسماء لله تعالى. هناك آيات عديدة وصف الله المتعال فيها نفسه بالصفات، مع الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفات ولكنهم لا يذكرون كيفيتها؛ لأن جميع السلف الصالحين من هذه الأمة والأئمة الكبار أجمعوا على أن الله تعالى متصف بهذه الصفات حقيقة.
يقول ابن تيمية رحمه الله في هذا الصدد: «مذهب السلف رضي الله عنهم هو أنهم يثبتون جميع الصفات لله ويجرونها على ظاهرها وينفون الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وكذلك إثبات الصفات. هذا هو اعتقاد السلف».
إنكار صفتي السمع والبصر
المعتزلة لا يقبلون وصف الله بصفتي السمع والبصر وينكرونهما، ويذكرون ذلك بتأويلات وتوجيهات لا يوجد عليها أي دليل، ومن تأويلاتهم في هذا الشأن أنهم وجهوا وأولوا هاتين الصفتين بالعلم؛ يكتب القاضي عبد الجبار في هذا الشأن: عند شيوخنا من أهل البصرة، الله تعالى سميع بصير ومدرك لجميع المدركات، وأن يكون مدركًا هذه صفة إضافة على أن الله تعالى حي، وأما عند مشايخنا البغداديين: الله تعالى مدرك لجميع المدركات؛ يعني نسبة إلى العلم بها. يقول أبو الحسن الأشعري: المعتزلة يظنون أن معنى «سميع بصير» عليم.
ولكن ما ذكره المعتزلة كاعتقاد لأنفسهم مخالف لآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»؛ ويقول: «إن الله كان سميعا بصيرا».
أما الدليل من السنة فهو الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا».
هذا الكلام مخالف أيضًا لمذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن جميع أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله المتعال متصف بصفتي السمع والبصر حقيقة ودون تأويل وكيفية. عندما سُئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن مقصودك من قولك أن الله المتعال «سميع بصير»، ما هو؟ قال: مقصودي هو ما أراده الله المتعال نفسه، وهو كما وصف الله المتعال نفسه به، ولا أزيد على هذا شيئًا.
إنكار صفة الاستواء
من الصفات الأخرى التي أنكرها المعتزلة صفة «الاستواء»، وعندما ثبتت هذه الصفة بنصوص قطعية لا يمكن ردها، اضطروا إلى تأويلها وفقًا لعقيدتهم، وأولوا هذه الصفة بالاستيلاء والملك والقهر والقدرة.
رأي أهل السنة في الاستواء هو أن الاستواء معلوم ومحدد؛ ولكن كيفيته غير معلومة، جاء شخص إلى الإمام مالك رحمه الله وقال يا أبا عبد الله: ما المراد من الاستواء في هذه الآية؟ «الرحمن علی العرش استوی»، أطرق الإمام مالك رحمه الله برأسه حتى علاه العرق، ثم قال: «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، ثم أمر بإخراجه من المجلس».
خلق القرآن
كانت مسألة خلق القرآن من أكثر المسائل إثارة للجدل والخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، وقد نوقشت هذه المسألة بالتفصيل في القسم الأول من هذه المقالة.
إنكار رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة
تُعد رؤية الله تبارك وتعالى أيضًا من المسائل الخلافية بين المعتزلة وأهل السنة، فالمعتزلة ينكرون رؤية الله المتعال في الآخرة بالعين المجردة، ويقومون بتوجيه وتأويل الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن، أما أهل السنة والجماعة فيعتقدون بإمكانية رؤية الله المتعال في الآخرة، ونسعى في هذا القسم أن نوضح هذه المسألة مع عرض أدلة الطرفين.
أولى المعتزلة هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، فأنكروا رؤية الله تبارك وتعالى إنكارًا قاطعًا. ويعتقدون أننا نرى الله بقلوبنا، لأن الرؤية بالقلب تعني العلم ولا تستلزم الجسمية. يقول أحد كبار المعتزلة، أبو موسى مردار: «من اعتقد أن الله تعالى يُرى بالأعين بلا كيفية فهو كافر». وكذلك من شك في كفر ذلك الشخص فهو كافر، ومن شك في كفر من شك فيه إلى ما لا نهاية، لأن هذا الشخص قد شبّه الله تعالى بخلقه، والتشبيه عند هذا المعتزلي كفر.
ويُعد وجوب نفي رؤية الله تبارك وتعالى من الركائز الأساسية في عقيدة المعتزلة، فمن لم يعتقد بهذا الأمر من بينهم فهو كافر مشبّه.
وقدّم المعتزلة أدلة من القرآن والحديث لنفي رؤية الله تبارك وتعالى، وسنتناول هذه الأدلة بالتفصيل في هذا القسم:
القرآن: المصدر الأول الذي استخدمه المعتزلة لنفي صفات الله تعالى هو القرآن، فهم يكتبون: من أهم الأدلة التي استدلوا بها في هذا الشأن هذه الآية القرآنية: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (الأنعام: 103).
يقول القاضي عبد الجبار: طريقة الاستدلال من هذه الآية هي أنه قد ثبت لنا أنه عندما يقترن الإدراك بالبصر، فإنه لا يدل إلا على احتمال الرؤية، وقد ثبت كذلك أن الله المتعال قد نفى عن نفسه صفة الإدراك.
يقوم المعتزلة بتأويل وتوجيه الآيات والأحاديث. فمثلاً، يؤولون الآية: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» (القيامة: 22-23) بأن المراد من النظر هنا هو الانتظار، وتقديم المفعول به في «إلى ربها» يفيد الاختصاص، بمعنى أن هذه الوجوه تنظر تحديدًا إلى ربها ولا تنظر إلى غيره.
ويقدم المعتزلة دليلًا آخر يعتبرون به رؤية الله المتعال غير جائزة، وهو قول الله تبارك وتعالى نفسه: «لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي» (الأعراف: 143). فالله تعالى هنا نفى الرؤية.
والخلاصة، قول المعتزلة ومن يوافقهم في المذهب والعقيدة، أنهم قاموا بتأويل جميع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت رؤية الله تعالى في الآخرة، أو أنهم رفضوها بحجة أنها أحاديث آحاد ولا يُستدل بها في مسائل العقيدة. ولكن بعد دراسة هذه الأدلة، يتضح أن هدفهم الأساسي هو بيان تنزيه الله تعالى.
رؤية الله المتعال عند أهل السنة والجماعة
يستند أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الله تعالى إلى أدلة عديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، تدل على رؤية الله تعالى في الآخرة، ويخالف موقف المعتزلة في الله تعالى هذا الرأي بشكل كامل؛ إذ يثبت أهل السنة والجماعة رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة من غير تأويل، ويثبتون الآيات والأحاديث التي وردت في هذا الشأن، وفيما يلي تفصيل الأدلة التي يسوقها أهل السنة والجماعة لإثبات ما ذهبوا إليه:
القرآن الكريم:
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: 22-23). قال الإمام الرازي رحمه الله: «المراد بـ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) أي أنهم ينظرون إلى ربهم لا إلى شيء آخر؛ لأن تقديم المفعول يفيد الحصر». ويرد على المعتزلة قائلاً: «ليس المراد بالناظرة الانتظار؛ لأن الانتظار يستلزم الغم والألم».
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ) (يونس: 26). يقول الإمام القرطبي في تأييد القائلين برؤية الله تعالى في الآخرة: «سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ) الجنة، وزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل». ويضيف: وهذا قول أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب في رواية، وقول حذيفة، وعبادة بن الصامت، وكعب بن عجرة، وأبي موسى، وصهيب، وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وقول جماعة من التابعين.
(قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (الأعراف: 143). وجه الاستدلال بهذه الآية هو أن الأنبياء عليهم السلام معصومون، فلا يمكن أن يسألوا ربهم شيئًا محالاً ومستحيلاً، فطلب سيدنا موسى عليه السلام هذا كان صحيحًا وليس بعيدًا عن الواقع؛ لأنه كان يعلم أن رؤية الله تعالى ممكنة ولا محال فيها. والله أعلم.
الأحاديث النبوية:
وردت أحاديث عديدة تدل على رؤية الله تبارك وتعالى: روى جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ…)»
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث: «الحُسْنَى الجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
الإجماع:
يقول ابن تيمية رحمه الله: «الصحابة، والتابعون، وأئمة الإسلام الذين اشتهروا بالإمامة في الدين كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف وأمثال هؤلاء، وسائر علماء أهل السنة والمحدثين متفقون على إثبات رؤية الله تعالى، وقد بلغت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حد التواتر».
وخلاصة القول في مسألة رؤية الله المتعال: أن رؤية الله تعالى ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع، وقد ثبتت هذه المسألة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ونريد هنا أن نثبتها بالإجماع: أما [إثبات رؤية الله المتعال] بالإجماع: فإن الأمة [قبل ظهور الفرق والجماعات المخالفة كالمعتزلة] أجمعت على وقوع رؤية الباري تعالى في الآخرة، والآيات الواردة في هذا الموضوع تحمل على ظاهرها. وفي الختام، لا بد من التذكير ببعض النقاط:
أولاً: أن هذه الأبحاث المذكورة قد خضعت لتحقيق دقيق، وأن العلماء قد بذلوا جهودًا مضنية لتثبيت المنهج الصحيح والاعتقاد السليم، وإن اقتصرنا على ذكر بعض المسائل والأدلة، فقد ذكرنا جميع المصادر في الهوامش؛ لكي يتمكن من أراد التوسع في هذه المسائل من الرجوع إليها.
ثانيًا: أن هذا المقال لم يقتصر على استخدام كتب أهل السنة فحسب، بل تم الرجوع إلى أصول كتب المعتزلة ومناقشة المسائل المطروحة فيها. فعلى سبيل المثال، اضطررنا إلى البحث عن كتاب «الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار والرجوع إليه عند الحاجة؛ لنتأكد من صحة بعض الأقوال.
ثالثًا: أن هذا القسم قد اقتصر على تناول أصل واحد (التوحيد) عند المعتزلة، وسيتم تناول بقية الأصول في الأقسام اللاحقة من هذا المقال إن شاء الله.