لقد وفّر الله تعالى لهذه الأمة في مواجهة تأثيرات البيئة وتغيرات الزمان والمكان، نوعين من التهيئة:
أولاً: أن الله تعالى منحها من خلال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تعاليم حيّة، وكاملة وشاملة، تستطيع أن تواجه بسهولة كل نوع من المشكلات والتغيرات، وفي الوقت نفسه تحتوي هذه التعاليم السماوية على التوجيهات والصلاحيات الكاملة لحل مشكلات كل زمان.
ثم إن الله تعهّد بأن يبعث لهذا الدين أفرادًا شجعان ومخلصين، يطبقون تعاليمه عمليًا في حياتهم وحياة الآخرين، ويُجدّدونه فرادى أو جماعات، ويبقون هذه الأمة منشغلة بالعمل.
والميزة الخاصة لهذا الدين أنّ فيه صلاحية تربية وإعداد أفراد صالحين وطلاب للحقّ، لم يكن في الأديان السابقة، وقد ثبت في تاريخ العالم أن صناعة الإنسان في هذه الأمة قد بلغت مبلغًا لم يُشهد له نظير في سائر الأمم والشعوب، وليس هذا بالأمر العارض أو المفاجئ، بل هو من طبيعة نظام الله تعالى، إذ إنّه يُوجد في كل قرن، بحسب الحاجة، الأشخاص المناسبون، وكأنّ هذا الدين يملك الوصفة المناسبة لكل داء، وما هو الدواء المناسب لها، والتي منحها الله فقط لهذه الأمة.
هجمات الأعداء على جسم الإسلام وروحه
لقد تعرّض قلب الإسلام وكبده وأعصابه لهجمات لم تستطع الأديان الأخرى تحملها، حيث المذاهب الأخرى في العالم التي فتحت الدنيا في عصور مختلفة، لم تتحمل أقل هجوم، وفقدت وجودها أمام هجمات الأعداء، ولكن الدين الإسلامي هو الذي هزم جميع خصومه في ميادين فكرية وسياسية وغيرها، ولا يزال ثابتًا وموجودًا في صورته الأصلية في العالم.
فمن ناحية، كانت الغلو والطوائف المتفرعة منه تشكل خطرًا عظيمًا على روح الإسلام وجانبه العقائدي، ومن ناحية أخرى كانت هجمات الصليبيين والتتار كافية لتشريد المسلمين. فلو حدثت مثل هذه الهجمات على روح مذهب أو دين آخر من الأديان في العالم، لفقدت كل امتيازاتها الظاهرية والباطنية وأصبحت أسطورة تاريخية في الأذهان؛ لكن الإسلام هو الذي تحمل كل الهجمات الداخلية والخارجية، ولم يحافظ فقط على وجوده، بل حقق انتصارات جديدة في ميادين الحياة. لقد دخلت في الدين الإسلامي مرات عديدة تحريفات وتأويلات وبدع، وتأثيرات الأجانب، وعادات وأعمال المشركين، والنفسية المادية واللهو، والإلحاد واللادينية والعقلانية المفرطة، وكان يُشعر أحياناً أن الإسلام لا يحتمل هذه الهجمات الثقيلة وأنه سينهار أمامها، لكن الفكر المستنير والواعي للأمة الإسلامية لم يقبل التساهل، ولم تنهزم روح الإسلام، وفي كل قرن ظهر أناس مزقوا ستار التحريفات والتأويلات الخادعة وكشفوا حقيقة الإسلام والدين الخالص.
فرفعوا الصوت في مواجهة تأثيرات الأعجميين وبدعهم، وأعلنوا تأييدهم الكامل للسنة. جاهدوا علنًا ضد المعتقدات الباطلة وقاموا بإزالة الأعمال والعادات الشركية، ووجهوا ضربة مؤثرة للمادية ونفسية الترف، ووبّخوا بشدة الفاسقين والمستهترين في زمانهم، ورفعوا رأية كلمة الحق في وجه السلاطين الظالمين. هؤلاء الأشخاص الشجعان كسروا طلاسم العقلانية المفرطة، وأعطوا الإسلام قوة وحركة جديدة، وخلقوا بين المسلمين إيمانًا وروحًا جديدة.
وكان هؤلاء الأشخاص مميزين وخواص في زمانهم من حيث العلم، والتفكير، والأخلاق، والروحانية، وكانوا يمتلكون صفات خاصة مثل الشجاعة، والإخلاص، والتدين، في مواجهة أي نوع من ظلمات الجاهلية والضلال، وكان لهم يد بيضاء تمزق ستارها الأسود وتكشف الحق والحقيقة.
ومن هذا يتبين بوضوح أن الله تعالى يعتني بحفظ هذا الدين وبقائه، وأنه يريد أن يُسند أمر قيادة العالم في هذا الزمان إلى هذا الدين نفسه، فكما كان يستعمل الأنبياء في ذلك سابقًا، فهو الآن يستعمل خيرة تلاميذ مدرسة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والمجددين والمصلحين لهذه الأمة.