الكاتب: أبو مهاجر
اليهود ومكانتهم العالمية
(الجزء الثاني والأخير)
لا شك أنّ التاريخ لم يشهد ما حدث في بني إسرائيل من جحود ونكران، وقسوة قلب، وتكذيب، وإنكار للحق، واعتداء وظلم، وعداوة للأنبياء ولهداة البشرية.
لقد قتلوا جماعة من أنبيائهم، وذبحوهم، ونشروهم بالمناشير، وكفروا بالله أشد الكفر، وتمادوا في المعصية، وتطاولوا على حدود الله، واقترفوا في كل هذه المجالات أعمالا لم يكن يتصور أشنع منها، وعلى الرغم من هذه الصفحات السوداء في تاريخهم، فإنهم ما زالوا يتباهون بادعاءات غريبة وعريضة، ويزعمون دوما أنهم وحدهم المهتدون، وأنهم الأمة المختارة عند الله، ولن يدخل الجنة أحد غيرهم، وأن الفضل والرحمة والإحسان الإلهي لا يخصّ أحداً غيرهم، ولا يشاركهم فيه أحد من البشر.
إنّ هذا من السنن الكونية الثابتة أن الله تعالى لا يمنح الرفعة والعزة والقيادة العالمية إلا لمنيمتلكون عقيدة راسخة ويعملون بأحكام الله تعالى؛ لأن الإيمان المقبول هو ما يُثمر خضوع النفس وخشوع الإنسان لأوامر الله تعالى، ويُنتج عملاً صالحاً نابعاً من ذلك الإيمان الراسخ.
ممّا لا شك فيه أنّ فضل الله ورحمته ليس حكرا على فئة أو أمة معينة، بل إن كرم الله وإحسانه متعلق بجميع المؤمنين في أي زمان أو مكان كانوا، فإنهم ينعمون بفضل الله وعطائه، ويفوزون بثوابه إلى أن تأتي رسالة جديدة بدين جديد، فيكون واجباً على المؤمنين أن يتّبعوه ويعملوا بأحكامه وفق متطلبات عصرهم.
بغض النظر عن نكران الجميل من اليهود على نعم الله تعالى، فإن الله تعالى منحهم نعمتين كبيرتين كانتا مؤثرتين للغاية في علاقاتهم وتعاملاتهم العالمية: الأولى: أنهم كانوا أبناء الأنبياء، وكان بإمكانهم أن يكونوا قدوة للبشرية بأعمالهم الصالحة وتمسكهم بتعاليم الله تعالى؛ ولكن للأسف لم يُقدّروا هذه النعمة، بل طفقوا يقتلون الصالحين من بينهم، ولجأوا إلى جمع المال الحرام وأكله، والطمع في الدنيا، وهنا تظهر قاعدة اجتماعية خطيرة، وهي: أنّه إذا غاب العلماء والصالحون من أمةٍ ما، يبرز من يستغل مكانتهم بأسماء مختلفة – كالسيد، أو سليل السيد، أو سليل الشيخ – فيسيئون إلى الأمة، ويزرعون الكراهية والنفور من الدين بين الناس والنعمة الثانية: أنّهم كانوا يملكون كتابًا سماويًا، وهو التوراة، وقد أُمِروا أن يأخذوا ما فيها بقوّة، وأن يعملوا بها بعزيمة راسخة وإرادة ثابتة؛ لأنّ العقيدة لا تحتمل الضعف، ولا تقبل التهاون أو التراخي؛ فهي عهدٌ إلهي بين الله وعباده المؤمنين، وإنه عمل جادّ وحقيقي، ولا مجال فيه للهزل أو المزاح، ولا ينبغي الاستهانة به.
إن مثل هذا العهد العظيم يتطلب جهدًا ومشقّة، ويستلزم أن يُقبل عليه الإنسان بقلبه وروحه، ويدرك ما فيه من تكاليف ومتاعب، وأن يتمسك به بعزم راسخ وثبات، وأن يتقبل بصدر رحيب كافة الصعاب والمشقات التي تعترض طريقه، وأن يجمع همته وفكره عليه، وأن يؤدي واجباته وتكاليفه على أكمل وجه، وألّا يتراجع أمام التحديات.
إن الذي يقبل مثل هذا العهد، يجب أن يعلم أنه يودع التمتع والعيش الرغيد والراحة والترف والكسل، وأنه يضع قدمه في طريق محفوف بالمسؤوليات والتضحيات، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عندما أسندت إليه الرسالة: «مضى عهد النوم يا خديجة»!
لا بدّ أيضًا من أن يدرك الإنسان حقيقة العقيدة والعهد الذي يقطعه، إلى جانب الالتزام الجادّ بالعهد، والعزم الراسخ عليه، وجمع الفكر والتفكير حوله، واتخاذ القرار الصائب والعمل باليقظة، ليعمل على تزكية نفسه وإعادة بنائها وفقًا له، حتى لا يقتصر الدين على الحماسة والمظاهر، ولا يكون مجرّد مشاعر وعواطف مؤقتة.
لكن اليهود لم يتمكّنوا من الاستفادة من هاتين النعمتين الكبيرتين ـ كونهم من نسل الأنبياء، وامتلاكهم الكتاب السماوي ـ في الحفاظ على مكانتهم العالمية؛ بل نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وباعوا مكانتهم الروحية بثمنٍ بخسٍ من متاع الدنيا، ولذلك خاطبهم الله تعالى معاتبا إياهم بقوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ) [البقرة: 83]
من الصفات الأساسية والرئيسية لليهود الجبن، وتشتت القلوب، الأمر الذي حرمهم من نبع الإيمان بالغيب، واليقين بالله، والاستعداد لتصديق ما جاءت به الأنبياء، كما ابتُلوا بالخمول، وجمود الفطرة، والتهرّب من قبول المسؤوليات والوظائف، وبكثرة الأعذار، والسخرية، والتلاعب، بجانب موت قلوبهم، ولا شك أنها سلوكيات نابعة من قساوة قلوبهم ووقاحة ألسنتهم، وكلّ ذلك دفعهم نحو الانحطاط في وادي الذلّ والمهانة، والفشل في حمل رسالة الأنبياء، وبالتالي فقدوا مكانتهم بين الأمم، وقد صوّر الله تعالى هذا الموت القلبي وقسوة قلوبهم في كلامه ويخاطبهم بقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ) [البقرة: 74]
الحجارة التي قيست بها قسوة قلوب اليهود، حجارة معروفة لديهم، ولقد رأوا كيف تفجرت منها اثنتا عشرة عينًا، ورأوا الجبل كيف تفتت وانهار عندما تجلى الله عليه، حتى خرّ موسى عليه السلام صعقًا من هول ما رأى، ومع ذلك لم تلِن قلوب بني إسرائيل، ولم تنزل من أعينهم قطرة دمع، ولم تهتزّ جلودهم خوفًا من الله، ولم تهتدِ أفئدتهم إلى التقوى. إنها بلا شك قلوبٌ قاسية، جامدة، غليظة، وكافرة بنعم الله، جاحدة لها.
إن هذه القسوة في القلوب، وهذه الطبيعة العدائية والأنانية، جعلتهم يعيشون دائمًا في حزام ضيق من التعصب، ويتربصون بالبشرية الدوائر، ولا يريدون لها خيرًا، يحملون في صدورهم الأحقاد والضغائن، ويعانون من نيران الحسد والبغضاء والأوجاع، وبسبب صدى هذه الأحقاد واستجابتهم لنداءاتها، يثيرون دوما الفتن، ويشعلون نيران العداوة بين الأمم والشعوب، ويطلقون الحروب الكثيرة ليجنوا من ورائها الغنائم، ويُشبعوا غليل أحقادهم التي لا تخمد نارها، ويتمنّون الموت للبشر، ويقلبون موازين الحياة بالمكر والخداع، وحين تنتفض الشعوب ضدهم، تندلع المجازر والحروب العالمية، وتُجر البشرية إلى غياهب الشقاء والبؤس، وكل هذه الشرور والمصائب ما هي إلا نتيجة لغرورهم، وأنانيتهم، وخُيَلائهم واستعلائهم المتغطرس.
حقا، هل يمكن مثل هذا القوم، أن يقود سفينة البشرية في خضمّ عواصف الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية العاتية، ليُوصلها إلى شاطئ الأمن والسلام في الدنيا والآخرة؟
الجواب ـ بلا شك ـ سيكون: كلا، لا يمكن؛ لأن هذه المسؤولية العظيمة تحتاج إلى تضحيات جسيمة، وإيثار، ورحمة، وشفقة، وهي صفات تتنافى مع الترف والأنانية وحب الذات، كما أن حمل الرسالة وأداء الأمانة هو حكمة من حكم الله في خلق الإنسان، وإن إسنادها إلى قوم ينغمسون في انحرافات أخلاقية كاليهود يتعارض تماما مع هذه الحكمة، حيث يقول الله تعالى:
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً * قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) [البقرة: 30]
فقال الله سبحانه في جواب الملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون، أي: أعلم الخير الذي سيكون في خلق هذا النوع من البشر، فمنهم الأنبياء والرسل، والصالحون، والشهداء، والزهّاد، والمقرّبون، والعلماء، والمحبّون لله تعالى، وأتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ».
كما ذكرنا في البداية، فهذا أصلٌ عام في أن الرفعة والكرامة والقيادة في الدنيا يمنحها الله لمن كان على عقيدة راسخة، وعمل صالحٍ مطابق لأمره، فالعقيدة المقبولة هي تلك التي تُثمر طاعة وخشوعا لله، وتقود إلى أعمالٍ صالحةٍ تكون سببا لنيل وعود الله بالنصر والتمكين. قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) [النور: 55]
رُوي عن وهب رحمه الله أنه قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يُدعى (أشعيا)، … إلى أن قال:«وأبعث نبيا أميا، ليس أعمى من عمى، أبعثه ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا لا يقول الخنا، أفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا أسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبعيته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى أمامه والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقه، وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة، وأهواء متشتته، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين بما جاءت به رسلي.»
لا شك أن هذا وعد من الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم بأن يجعل أُمّته خلفاء في الأرض، أي: أئمةً وقادةً للناس، تصلح بهم الدنيا، ويُحرّروا الناس من عبودية البشر إلى عبودية رب البشر، أولئك الذين يحملون الرسالة بعزيمةٍ قوية، وأمانةٍ تامّة، وعقيدةٍ راسخة، وأخلاقٍ فاضلة، واستقلالٍ في الفكر، القادرون على تحمّل هذا الحمل الثقيل.
أما اليهود، فبرغم تاريخهم الأسود في الساحة العالمية، كانوا دومًا يدّعون أنهم وحدهم المهتدون، وأنهم شعب الله المختار، وأنهم وحدهم يستحقون الجزاء الإلهي، وأن فضل الله ورحمته لا ينبغي أن يتشارك فيها أحد معهم! ونكتشف سمة أخرى من سمات اليهود في تعنّتهم وغرورهم هذا، وإنها حقا صفةٌ عجيبة وهي غضب وكراهية هذا القوم بسبب أن يُنعم الله على غيرهم بنبوّة أو فضل، ولقد بلغ بهم هذا الحقد والضيق من الخير لغيرهم، أنهم صاروا يتطاولون ويتناقضون في أقوالهم، ويقولون ما لا يقبله عقلٌ ولا يقرّه منطق، فلما سمعوا أن جبريل عليه السلام ينزل بالوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، أعلنوا عداوتهم حتى للملائكة، وخصّوا جبريل بالبغض والعداوة! وأكبر ما يعادونه هو الإسلام؛ لأنهم لم يتحمّلوا أن يختار الله المسلمين لهذا الخير والبركة، وأن ينزل القرآن عليهم، وأن يعهد إليهم بحمل أمانة العقيدة، ويعقد معهم الميثاق الإلهي. لكن الله تعالى يقول:
(يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [آل عمران: 74]
النتيجة:
بهذا نصل إلى ختام هذا العرض التاريخي لمسيرة اليهود، وإنه تاريخٌ مليءٌ بالكفر والتكذيب، والعناد والانحراف، والخداع والمكر، والقسوة والجمود، والطغيان والعصيان… تاريخٌ جعلهم ينحطون من المكانة العالمية التي كانوا فيها، ويستحقون اللعن الإلهي والغضب الأبدي.
الجزء السابق
