الكاتب: أبو مهاجر

اليهود ومكانتُهم العالميّة (الجزء الأوّل)

من يتأمّل في تاريخ بني إسرائيل، سيدهش من كثرة النعم التي أنعم الله بها عليهم، وسيعجب كيف أنهم رغم كل هذه النعم، لم يقابلوا فضل الله بالشكر والطاعة بل قابلوه بالجحود والعصيان، ولم يقدروا نعم الله تعالى حق قدرها، ولذلك ونظرا لنكرانهم للجميل وعدم التزامهم بأوامر الله، نزل عليهم غضب الله تعالى، فسقطوا من مكانتهم العالمية، وانحطوا من المقام الذي كانوا فيه.
الكلمات المفتاحية: الرسالة السماوية، بنو إسرائيل، النبي موسى عليه السلام، النعمة، العهد والميثاق.
مقدمة
يقول الله تعالى عن مكانة اليهود قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) [البقرة: ۱۲۲].
لقد كان فضل بني إسرائيل على العالمين وتفضيلهم على غيرهم مقتصراً على فترة خلافتهم واختيارهم للرسالة السماوية، ولكن بعد أن عصوا أمر ربهم، وتمردوا على أنبيائهم، وكذبوا بنعم الله عليهم، ونكثوا العهود والمواثيق، نفّذ الله تعالى أمره فيهم، وأنزل عليهم سوط لعنه وغضبه، وأوقعهم في المذلة والمسكنة، وقضى عليهم بالتشتت.
إن تذكير فضلهم على العالمين إنما هو دعوة لهم لكي يتذكروا نعم الله عليهم وعهده معهم، ويعودوا إلى رشدهم، ويغتنموا الفرصة التي أعدت لهم بسبب نعمة الرسالة الإسلامية، ويعودوا إلى ركب الإيمان مرة أخرى، وليحافظوا على عهد الله تعالى شكرا لله تعالى على ما فضّل آبائهم على العالمين في زمانهم، وليعودوا إلى مقام الكرامة التي ينالها المؤمنون بإيمانهم؛ لأن عهد الله هو منهج الحياة؛ منهج ينفخ الفكر والمشاعر في القلب، ويجلب النظام والترتيب للحياة، ويعزز الأدب والوقار في السلوك الإنساني، ويؤدي في نهاية المطاف إلى التقوى والورع، بحيث يدرك الإنسان أن الله يراقب أعماله وينظر إليها، ويجب عليه أن يخاف المعاد والميعاد، ولكن للأسف غلبت على بني إسرائيل طبيعتُهم، فرفضوا مرّة أخرى قبول الحقيقة.
نحاول في هذه المقالة أن نذكر بعضا من النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، وكيف جحدوها مما أدى إلى غضب الله تعالى وسقوطهم من القيادة العالمية، وسنناقش أيضاً في الأجزاء اللاحقة من المقالة السؤال التالي: ما هي الخصائص التي امتلكتها الأمة المحمدية ليحمّلها الله تعالى مهمّة قيادة البشر بعد أن سُلبت من أتباع الديانات السماوية الأخرى؟
نعم الله تعالى على اليهود
كما ذكر في المقالات السابقة، بدأت سلسلة النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل بنجاتهم من بطش فرعون، وتحريرهم من عذاب مؤلم، عذاب كانت تذبّح فيه ذكورهم وتبقى الإناث أحياء، وكانوا يعيشون في عبودية لا إرادة لهم فيها، وتتضمّن هذه القصة أيضاً على نعمتين أخريين: الأولى: نعمة شق البحر وخلق اثني عشر طريقاً لمرورهم بسهولة؛ والثانية: نعمة القضاء على جيش فرعون، الذي كان يعتبر مستحيلاً في نظر بني إسرائيل.
نعمة الظلّ والمنّ والسلوى
ظلل الله تعالى على بني إسرائيل الغمام بعد أن نجّاهم من البحر لتحميهم من حر الصحراء الشديد، فالصحراء التي لا مطر فيها ولا سحاب جحيم تنطلق منه النيران وتشتعل شراراتها. لكن الصحراء، بأمطارها وغيومها، تصبح خضراء، خصبة، ومباركة، ويتحسّن الجسد والروح فيها.
كذلك أنزل الله تعالى عليهم المنّ، فكانوا يجدونه على الشجيرات والنباتات، وكان حلواً كالعسل، وسخّر لهم السلوى الذي على الرغم من كونه طائرًا وحشيا، لكن أصبح من السهل اصطياده وكان متوفرًا بكثرة، وهكذا رزقوا طعاما هنيئا ومكانا مريحا.
نعمة الماء
أثناء قيام بني إسرائيل في الصحراء استسقى موسى عليه السلام لهم، فاستجاب له ربه وأمره أن يضرب بعصاه حجراً معينا، وعندما ضرب الصخرة انفجرت منها اثنتا عشرة عينا، لكل سبط من بني إسرائيل عينا.
كانت بنو إسرائيل يعيشون بين الصحراء بكلّ جفافها وصخورها الصلبة، وتحت السماء بكل صواعقها وشهبها، فأخرج الله لهم الماء من بين الصخور، وأنزل عليهم من السماء المنّ والسلوى، ولكن الطبيعة النفسية الممزقة، والفطرة المنحطة والمكسورة للشعب اليهودي منعتهم من أن يرتقوا بأنفسهم إلى المستوى الذي كانوا يطمحون إليه، والذي من أجله خرجوا من مصر، وتاهوا في الصحراء، ووطئوا الرمال الحارقة، فمنعتهم من أن يتكيفوا مع حياتهم الجديدة في طريق العزة والحرية والكرامة، بل إنهم بدلاً من ذلك، طالبوا بأنواع المأكولات المتعددة التي اعتادوا عليها في مصر؛ حيث طلبوا العدس، والثوم، والبصل، والخيار، ونحو ذلك.
إنزال كتاب التوراة
كانت بنو إسرائيل يعيشون في رغد من العيش، دون ذل أو عبودية أو خوف، وسار نبيهم موسى عليه السّلام إلى جبل الطور ليتلقى الكتاب الإلهي، ذلك الكتاب الذي كان يشتمل على تعاليم حول أسلوب الحياة الإيمانية وسبل الوصول إلى العزة في الدنيا والآخرة.
إثر خروج النبي موسى عليه السّلام إلى الطور، قام السّامري بصنع عجل من الذهب الذي أخذه من الأقباط وأوهم بني إسرائيل بأن هذا هو إله موسى، وأنه نسي إلهه، وذهب إلى الطور بحثا عن إله آخر!
إن نبي الله موسى عليه السّلام أنقذهم بإذن الله تعالى وبتقديم آيات عظيمة من أيدي الفراعنة الذين كانوا يعذّبونهم أشدّ العذاب! فمن أظلم ممن ترك عبادة الله وهدي نبيه لتخذ العجل إلها؟! مع أن الله تعالى أنقذهم من قوم كانوا يقدسون الأصنام ويعبدونه!
رغم كل هذا، تجاوز الله تعالى عنهم، وأكرم نبيهم بالتوراة التي كانت فصلا بين الحق والباطل، لعلهم يدركون سبيل الحق ويوقّرون الشريعة الإلهية بعد تمردهم وعدوانهم.
نعمة الراحة (يوم السبت)
طلبت اليهود أن يكون لهم يوم مقدس يستريحون ويرتاحون فيه، فاختار الله لهم يوم السبت كي لا يشتغلوا فيه بأعمال الدنيا، ثم اختبرهم الله بأسماك كانت تظهر بكثرة يوم السبت وتختفي في باقي الأيام، فلم يصبروا ولم يقدروا على التحكم في شهوات أنفسهم، إذ كيف يتركون صيدًا حاضرًا وسهلاً على مقربة منهم؟!كان الأولى بهم أن يتركوا ذلك الصيد وفاءً بالعهد، ولكن طبعهم لم يكن يطاوعهم على ذلك.
فتجاوزوا الحدود واحتالوا، فكانوا يحيطون بالأسماك يوم السبت بأسوار ويمنعونها من العودة إلى البحر، ثم يصيدونها يوم الأحد. لقد أثار سلوكهم هذا سخط الله تعالى عليهم، فقال الله فيهم: (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [الأعراف: ۱۶۶].
نعمة زعامة القدس
أخرج الله بني إسرائيل من الذلّ والهوان على يد نبيّهم موسى عليه السّلام، ليورثهم أرض القدس، ويرفعهم من الضعف إلى القوة، لكن الحرية لها ثمن، والكرامة تحتاج إلى جهد وتضحية، غير أن طول العبودية أفقد بني إسرائيل الحماسة والعزيمة، فلم يرغبوا في أن يدفعوا الثمن، ولا في أن يتحمّلوا المشقة، ولم يرغبوا حتى في التخلّي عن عادات الحياة المألوفة وملذّاتها، حتى (قالوا يا موسى، إن فيها قومًا جبّارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) وقالوا: (فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون)، لذلك قضى ربهم أن يتيهوا في الصحراء أربعين سنة إلى أن هلك هذا الجيل الجبان، وظهر جيل جديد بقيادة يوشع بن نون، فدخلوا المدينة وفتحوها.
رغم كلّ هذه النعم، لم يشهد التاريخ أمة قست قلوبهم، وتنكروا للحق وأنكروا الحقيقة، وتجاوزوا الحدود، واعتدوا على أنبيائهم كما فعلت بنو إسرائيل، فقد قتلوا عددًا من أنبيائهم، وذبحوهم، وقطعوهم بالمناشير، وكفروا بالله في أبشع صور الكفر، وتمردوا وعصوا، وتراجعوا عن مكانتهم المادية والمعنوية في قيادة الحضارة العالمية والإنسانية، ونالتهم المذلّة والمسكنة في الدنيا والآخرة.
يتبع…

 الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version