الكاتب: عبيدالله نورزهي

الإسلام في أوروبا
(الجزء الثاني)

آراء المستشرقين حول تعامل المسلمين مع المسيحيين
يقول الدكتور غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب والإسلام:«لقد تعامل المسلمون مع شعوب وأمم كانت ترزح منذ سنوات طويلة تحت ظلم الحكّام المستبدّين. وقد رحّب هؤلاء الرعايا المضطهدون بحكم المسلمين بكل سرور، لأنهم وجدوا في ظل الإسلام الأمن والحرية».
ويذكر آدم ميتز في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: «ما كان يميز أراضي الإسلام عن أوروبا المسيحية هو وجود أقليات دينية غير مسلمة تعيش بحرية. في حين أن هذا لم يكن موجودًا في أوروبا المسيحية. فقد كانت المعابد والكنائس في الأراضي الإسلامية تنعم بحرية كأنها خارج سلطة المسلمين».
كما يؤكد الدكتور دونكان غرينلز: «إن نُبل الإسلام وتسامحه، الذي يعترف بجميع الأديان السماوية، يُعدّ إرثًا عظيمًا للبشرية، ويمكن أن يشكّل أساسًا لدين عالمي».
وكان العاجزون والمحتاجون من المسيحيين أيضًا تحت رعاية بيت المال الإسلامي، وكان المسيحيون يلجؤون بحرّية إلى المحاكم الإسلامية للدفاع عن حقوقهم المشروعة، وهو ما يُعدّ نموذجًا واضحًا لتعاليم الإسلام الأخلاقية، التي قامت على العدل والتسامح مع أتباع الديانات الأخرى.
وعندما وصلت جيوش المسلمين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح إلى فلسطين والأردن، كتب جماعة من المسيحيين رسالة إلى المسلمين جاء فيها: «أيها المسلمون، أنتم أحبّ إلينا من الروم، على الرغم من أنهم يشاركوننا في الدين، لكنكم أكثر وفاءً وعدلاً ورحمة وإنصافًا. أما هم، فقد تسلطوا علينا ونهبوا بيوتنا».
ويقول السير توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام: «إن الأراضي التي كانت واقعة تحت حكم الإمبراطورية الرومانية فُتحت واحدة تلو الأخرى أمام جيوش الإسلام برضا وسرور. وكان سبب ذلك أن المسلمين، على عكس الرومان، تعاملوا بالعفو والتسامح والكرم، وهو ما حُرمت منه الشعوب قرونًا بسبب التعصبات الدينية».
ويكتب جرجي زيدان في تاريخ الحضارة الإسلامية: «بعد فتح المدن، ترك المسلمون أهلها وشأنهم، ولم يتدخلوا في شؤون دينهم أو تعاملاتهم أو قوانينهم المدنية والقضائية. وكان جيش الإسلام يتولّى فقط حماية هذه الأراضي مقابل جزية بسيطة تُفرض لقاء الأمن».
وفي مناطق مثل حمص (من مدن الشام)، خرج الناس لاستقبال المسلمين، وأغلقوا أبواب بيوتهم في وجه جيوش هرقل، معلنين أن حكم المسلمين أحبّ إليهم من حكم الرومان.
واستمر هذا التعامل السلمي للمسلمين مع المسيحيين في القرون التالية أيضًا. بل إن المسيحيين شاركوا بفعالية في شؤون الدولة والإدارة والتجارة. ويقول آدم ميتز، المستشرق الأوروبي: «في القرن الرابع الهجري، كان عدد العاملين والمديرين المسيحيين في الدولة الإسلامية كبيرًا لدرجة تُثير الدهشة».
ويكتب المقريزي، المؤرخ الإسلامي الشهير: «في عهد الخليفة الحافظ لدين الله، عُيّن عدد من الجباة المسيحيين لجمع الضرائب في مصر، وقد أدّوا وظائفهم بدقّة ومهنيّة عالية».
أما ألبر مالِه في تاريخ القرون الوسطى فيقول: «كان سكان الروم وفلسطين والشام ومصر يعتبرون المسلمين منقذين، لأنهم عانوا من ظلم وجور الضرائب الباهظة المفروضة من الرومان، ولذلك أسلم كثير منهم وقدموا أرواحهم دفاعًا عن الإسلام».
ويشير الكونت هنري دي كاستري أيضًا إلى المنهج السلمي للمسلمين: «عندما تأسست الدولة الإسلامية في المشرق، لم تُظهر أي عداء تجاه المسيحية، ولم تضع أي عقبات أمام أتباعها».
ويقول البروفيسور هازارد في الأطلس التاريخي للإسلام: «لم يفرض المسلمون الدين على الشعوب في الأراضي التي فتحوها، بل دعوا إلى الإسلام بأساليب سلمية. أما المسيحيون في مصر والشام، الذين كانوا أعداء للروم الشرقيين، فقد أسلموا تدريجيًا وبإرادتهم».
وفي الأندلس، استمر هذا النهج السلمي، ويقول المستشرق الشهير ستانلي لين بول:«كانت الأندلس في عهد المسلمين تحظى بحكم عادل رحيم، لم تشهد مثله في أي عصر من عصور تاريخها».
كما يكتب وِل ديورانت: «عامل الفاتحون المسلمون أهل الأندلس معاملة حسنة، ومنحوهم حرية دينية وعقائدية لم يسبق لها مثيل في تاريخ إسبانيا».
ويمكن أن نستشفّ جاذبية الإسلام لدى المسيحيين من وثيقة تعود إلى عام ۱۳۱۱م، حيث ذُكر أن عدد المسلمين في غرناطة بلغ ۲۰۰ ألف نسمة، منهم ۵۰۰ فقط ولدوا مسلمين، والبقية كانوا من المسيحيين الذين أسلموا، وكان المسيحيون يفضّلون قضاء المسلمين على قضاء رجال دينهم. ومن شدة حرية الدين التي منحها المسلمون للمسيحيين، تجرّأ بعض المسيحيين المتعصبين على سبّ مقدسات الإسلام، حتى أن جماعة بقيادة يُولشيوس تأسست لهذا الغرض، وكان هدفها شتم النبي صلى الله عليه وسلم علنًا.
وفي عام ۱۴۵۳م، عند سقوط القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) بيد السلطان محمد الفاتح، بقي تعامل المسلمين مع المسيحيين قائمًا على الاحترام والحماية، وقد أعلن السلطان محمد نفسه راعيًا للكنائس، وأكّد أن لا أحد يحق له إيذاء المسيحيين.
وقد قال أحد النبلاء البيزنطيين أثناء حصار القسطنطينية: «عمامة نبي الإسلام خيرٌ من تاج البابا».
وفي الختام، فإن تعامل المسلمين مع المسيحيين، لا سيما خلال الفتوحات وما بعدها، كان نموذجًا واضحًا للتسامح الديني والعدالة الاجتماعية، وهي خصال نادرة في مجتمعات تلك العصور.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version